قوله تعالى : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر فَاتَّبِعْهَا .
وقد قدمنا الآيات الموضحة في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى : فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ الزخرف : ٤٣ ].
قوله تعالى : وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ .
نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم، في هذه الآية الكريمة عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون.
وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى : لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً [ الإسراء : ٢٢ ] أنه جل وعلا يأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وينهاه، ليشرع بذلك الأمر والنهي، لأمته كقوله هنا : ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون .
ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يتبع أهواء الذين لا يعلمون، ولكن النهي المذكور، فيه التشريع لأمته كقوله تعالى : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : ٢٤ ]. وقوله تعالى : فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [ القلم : ٨ ]. وقوله : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ [ القلم : ١٠ ]. وقوله : وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ [ الإسراء : ٣٩ ] وقوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : ٦٥ ]، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقد بينا الأدلة القرآنية على أنه صلى الله عليه وسلم يخاطب، والمراد به التشريع لأمته، في آية بني إسرائيل المذكورة.
وما تضمنته آية الجاثية هذه، من النهي عن اتباع أهوائهم جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى في الشورى : وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [ الشورى : ١٥ ] وقوله تعالى في الأنعام : فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : ١٥٠ ]. وقوله تعالى في القصص فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ القصص : ٥٠ ] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وقد بين تعالى في : قد أفلح المؤمنون، أن الحق لو اتبع أهواءهم لفسد العالم وذلك في قوله تعالى : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ والأرض وَمَن فِيهِنَّ [ المؤمنون : ٧١ ].
والأهواء : جمع هوى بفتحتين وأصله مصدر، والهمزة فيه مبدلة من ياء كما هو معلوم.
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان