ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ

أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أم هي المنقطعة المقدرة ببل، والهمزة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني، والهمزة لإنكار الحسبان، والاجتراح الاكتساب ومنه الجوارح، وقد تقدّم في المائدة، والجملة مستأنفة ؛ لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين، وهو معنى قوله : أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات أي نسوّي بينهم مع اجتراحهم السيئات، وبين أهل الحسنات سَوَاء محياهم ومماتهم في دار الدنيا وفي الآخرة، كلا لا يستوون، فإن حال أهل السعادة فيهما غير حال أهل الشقاوة.
وقيل المراد إنكار أن يستووا في الممات، كما استووا في الحياة. قرأ الجمهور : سَوَاءٌ بالرفع على أنه خبر مقدّم، والمبتدأ محياهم ومماتهم والمعنى : إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم، سواء. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص سَوَاءً بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور في قوله : كالذين آمَنُواْ أو على أنه مفعول ثان لحسب، واختار قراءة النصب أبو عبيد، وقال معناه : نجعلهم سواء، وقرأ الأعمش، وعيسى بن عمر ( مماتهم ) بالنصب على معنى سواء في محياهم ومماتهم، فلما سقط الخافض انتصب، أو على البدل من مفعول نجعلهم بدل اشتمال سَاء مَا يَحْكُمُونَ أي ساء حكمهم هذا الذي حكموا به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مّنَ الأمر يقول : على هدًى من أمر دينه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله : سَوَاء محياهم ومماتهم قال : المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ قال : ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدًى من الله، ولا برهان وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ يقول : أضله في سابق علمه. وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه قال : كان الرّجل من العرب يعبد الحجر، فإذا وجد أحسن منه أخذه وألقى الآخر، فأنزل الله : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : كان أهل الجاهلية يقولون : إنما يهلكنا الليل والنهار، فقال الله في كتابه : وَقَالُواْ مَا هِي إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر قال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله يقول :«قال الله عزّ وجلّ : يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار».


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية