ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٥:وانتقل كتاب الله إلى التوصية بالإحسان للأمهات والآباء، قضاء لحقوق الوالدين، وبرورا بهما، ولا سيما الأمهات القائمات بحق الأمومة خير قيام، إذ يتحملن من المتاعب، ويبذلن التضحيات، أثناء الوحم والحمل، وأثناء الوضع والرضاع، وفي جميع مراحل الطفولة من أجل تربية الأولاد وتهذيبهم، وطبعهم بالطابع الاجتماعي السليم، ما لا يتحمله غيرهم من الناس، وكل ذلك بمنتهى التفاني والإخلاص، وذلك قوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا .
وقوله تعالى : ووصينا الإنسان ، إشارة إلى أن الإحسان إلى الوالدين من مقتضيات " الإنسانية المجردة "، بحيث لا يكون الإنسان إنسانا، ولا يثبت إنسانيته بطريقة عملية، أيا كان دينه أو معتقده، إلا إذا أحسن إلى والديه، برورا بهما، وأداء لحقهما.
وقوله تعالى هنا : حملته أمه كرها ووضعنه كرها ، إشارة إلى أن الأم عندما يأذن الله لها بأن تحمل، أو يأذن لها بأن تضع الحمل، إنما هي منفذة لأمر الله الموكول إليها تنفيذه، وقائمة بتحقيق مراد الله في عمارة الأرض، واستمرار حياة الإنسان القصيرة على سطحها، لا اختيار لها في حمل ولا في وضع، وإنما هي تحت حكم القدرة الإلهية المسخرة للكون كله، وليس المراد أن الأم تكره الحمل وتكره الوضع، ولا ترغب فيهما، فقد زرع الله في " الأنثى " على العموم محبة النسل والولد، رغما عن جميع التضحيات والمتاعب والمشاق التي تتحملها في هذا السبيل.
وقوله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ، إشارة إلى أقل مدة يمكن أن يقع فيها الحمل وهي ستة أشهر، وإلى أطول مدة يمكن أن يتم فيها الرضاع وهي أربعة وعشرون شهرا.
ومن وصية الله للإنسان بالإحسان إلى الوالدين انتقل كتاب الله إلى وصف نموذجين من نماذج الأولاد التي يواجهها الآباء والأمهات في حياتهم باستمرار :
الأول : نموذج الولد البار المهتدي الذي يمتثل وصية الله بالإحسان إلى والديه، ويقوم بها حق القيام، وهذا له الجزاء الحسن عند الله.
والثاني : نموذج الولد العاق الضال، الذي يهمل وصية الله، فيعامل والديه بالإساءة والتأفف دون أي اعتبار، وجزاؤه الخسران والهوان في الدنيا والآخرة.
وإلى النموذج الأول وهو الولد البار المهتدي يشير قوله تعالى : رب أوزعني ، أي ألهمني، أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي ، وإلى ما ادّخره الله له من الجزاء الحسن يشير قوله تعالى : أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون١٦ .
وإلى النموذج الثاني وهو الولد العاق الضال يشير قوله تعالى : والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج ، أي أبعث، وقد خلت القرون من قبلي ، أي : مضى الأموات من قبلي ولم يرجع منهم أحد، وهما ، أي : والداه، يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ، أي : الولد العاق الضال، ما هذا إلا أساطير الأولين١٧ ، وإلى ما أعده الله له من العذاب والنكال يشير قوله تعالى : أولئك الذين حق عليهم القول ، أي : حق عليهم العذاب، إنهم كانوا خاسرين١٨ .
وعقب كتاب الله على نموذج الولد البار المهتدي، ونموذج الولد العاق الضال فقال : ولكل درجات مما عملوا ولنوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون١٩ .


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير