وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء أي إذا حشر الناس العابدين للأصنام كان الأصنام لهم أعداء يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، وقد قيل إن الله يخلق الحياة في الأصنام فتكذبهم. وقيل المراد أنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال. وأما الملائكة والمسيح وعزير والشياطين فإنهم يتبرّءون ممن عبدهم يوم القيامة، كما في قوله تعالى : تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [ القصص : ٦٣ ] وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كافرين أي كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم كافرين : أي جاحدين مكذبين، وقيل : الضمير في كانوا للعابدين، كما في قوله : والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : ٢٣ ]، والأوّل أولى.
«كان نبيّ من الأنبياء يخط، فمن صادف مثل خطه علم» ومعنى هذا ثابت في الصحيح، ولأهل العلم فيه تفاسير مختلفة. ومن أين لنا أن هذه الخطوط الرملية موافقة لذلك الخط ؟ وأين السند الصحيح إلى ذلك النبيّ ؟ أو إلى نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذا الخط هو على صورة كذا، فليس ما يفعله أهل الرمل إلاّ جهالات وضلالات. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم :« أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ قال : حسن الخط». وأخرج الطبراني في الأوسط، والحاكم من طريق الشعبي، عن ابن عباس :« أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ قال : خط كان يخطه العرب في الأرض». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ يقول : بينة من الأمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرسل يقول : لست بأوّل الرسل وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ فأنزل الله بعد هذا لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [ الفتح : ٢ ] وقوله : لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات الآية [ الفتح : ٥ ]، فأعلم سبحانه نبيه ما يفعل به، وبالمؤمنين جميعاً. وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضاً أن هذه الآية منسوخة بقوله : لّيَغْفِرَ لَكَ الله وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أمّ العلاء قالت :«لما مات عثمان بن مظعون قلت : رحمك الله أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«وما يدريك أن الله أكرمه ؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم، قالت أمّ العلاء : فوالله لا أزكي بعده أحداً».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني