الجزء السادس والعشرون
سورة الأحقاف١
مكية
وآياتها خمسة وثلاثون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)شرح الكلمات:
حم: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب هكذا: حم ويقرأ هكذا: حاميم.
تنزيل الكتاب: أي تنزيل القرآن.
من الله العزيز الحكيم: أي من لدن الله العزيز في ملكه الحكيم في صنعه.
إلا بالحق وأجل مسمى: أي ما خلقنا السماوات والأرض إلا خلقا متلبسا بالحق وبأجل مسمى لفنائهما.
عما أنذروا معرضون: أي عن ما خوفوا به من العذاب معرضون عنه غير ملتفتين إليه.
ما تدعون من دون الله: أي من الأصنام والأوثان.
أروني ماذا خلقوا من الأرض: أي أشيروا إلى شيء خلقوه من الأرض.
أم لهم شرك في السموات: أي أم لهم شركة.
ائتوني بكتاب من قبل هذا: أي منزل من قبل القرآن.
أو أثارة من علم: أي بقيةٍ من علم يؤثر عن الأولين بصحة دعواكم في عبادة الأصنام.
إن كنتم صادقين: أي في دعواكم أن عبادة الأصنام والأوثان تقربكم من الله تعالى.
من لا يستجيب له إلى يوم القيامة: أي لا أحد أضل ممن يدعو من لا يستجيب له في شيء يطلبه منه أبداً.
وهم عن دعائهم غافلون: أي وهم الأصنام أي عن دعاء المشركين إياهم غافلون لا يعرفون عنهم شيئاً.
وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء: أي في يوم القيامة كانت الأصنام أعداء لعابديها.
وكانوا بعبادتهم كافرين: أي وكانت الأصنام بعبادة المشركين لها جاحدة غير معترفة.
معنى الآيات:
قوله تعالى حم الله أعلم بمراده به إذ هذه من المتشابه الذي يجب الإيمان به وتفويض أمر معناه إلى الله منزله. وقوله تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ أي تنزيل القرآن الكريم من لدن الله العزيز الحكيم العزيز في ملكه الحكيم في صنعه وتدبيره. وقوله تعالى مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا من العوالم والمخلوقات إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا لحكم عالية وليس من باب العبث واللعب، وإلا بأجل مسمى عنده وهو وقت إفنائهما وإنهاء وجودهما لاستكمال الحكمة من وجودهما. وقوله تعالى وَالَّذِينَ١ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ٢ يخبر تعالى بأن الذين كفروا بتوحيد الله ولقائه وآياته ورسوله عما خوفوا به من عذاب الله المترتب على كفرهم وشركهم معرضون غير مبالين به، وذلك لظلمة نفوسهم، وقساوة قلوبهم. وقوله تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ٣ مَا
(عما أنذروا) جائز أن تكون (ما) موصولة، والعائد محذوف أي: أنذروه وجائز أن تكون مصدرية أي: عن إنذارهم معرضون.
(قل أرأيتم) : الاستفهام تقريري هو بمعنى: أخبروني، وفعل أروني للتعجيز لإبطال دعوى الشرك بالله تعالى، والعاجز عن خلق شيء كيف يستحق العبادة، والتأليه، و (ماذا خلقوا) هو بمعنى ماذا الذي خلقوا أي: أي شيء خلقوه.
تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} أي من الأصنام والأوثان أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أي من شي أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ولو أدنى شرك وأقله، وقوله ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أي بقية من علم تشهد١ بصحة عبادة ودعاء آلهة لم تخلق شيئا من الأرض وليس لها أدنى شرك في السموات إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ في دعواكم أنها آلهة تستحق أن تعبد. وقوله تعالى وَمَنْ٢ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ينفي تعالى على علم تام أنه لا أضل من أحد يدعو من غير الله تعالى معبوداً لا يستجيب له في قضاء حاجة أو قضاء وطر مهما كان صغيراً أبداً وحقا لا أحد أضل ممن يقف أمام جماد لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق يدعوه ويسأله حاجته وقوله وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ٣ غَافِلُونَ أي وأولئك الأصنام المدعوون غافلون تماما عن داعيهم لا يعلمون عنه شيئا لعدم الحياة فيهم، ولو كانوا يوم القيامة ينطقهم الله ويتبرءون ممن عبدوهم ويخبرون أنهم ما عبدوهم ولكن عبدوا الشيطان الذي زين لهم عبادتهم، وهو ما دل عليه قوله تعالى وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ أي ليوم القيامة كانوا لهم٤ أعداء وخصوماً وكانوا بعبادتهم من دعاء وذبح ونذر وغيره كافرين أي جاحدين غير معترفين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- إثبات النبوة المحمدية بتقرير أن القرآن تنزيل الله على رسوله المنزل عليه وهو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٢- انتفاء العبث عن الله تعالى في خلقه السموات والأرض وما بينهما وفي كل أفعاله وأقواله.
٣- تقرير حقيقة علمية وهي من لا يخلق لا يُعبد.
٤- بيان أنه لا أضل في الحياة من أحد يدعوا من لا يستجيب له أبداً كمن يدعون الأصنام والقبور والأشجار بعنوان التوسل والاستشفاء والتبرك.
الفال والزجر والكهان كلهم
مضللون ودون الغيب أقفال
٢الاستفهام للإنكار والتعجب معاً، والمعنى: لا أحد أشد ضلالاً وأعجب حالاً ممن يدعون... الخ
٣ الجملة حالية، وجملة: (وإذا حشر الناس) معطوفة عليها.
٤ فالعابدون كالمعبودين سواء في التبرؤ من بعضهم بعضا يوم القيامة وإعلان العداء لبعضهم بعضاً.
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري