سورة محمّد
وَتُسَمَّى سُورَةَ الْقِتَالِ، وَسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَهِيَ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ آيَةً، وَقِيلَ: ثَمَانٌ وَثَلَاثُونَ.
وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ فَإِنَّهُمَا قَالَا: إِلَّا آيَةً مِنْهَا نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتِ وَهُوَ يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: إِنَّهَا مَكِّيَّةٌ. وَحَكَاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ عَنِ الضَّحَّاكِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنَ الْقَوْلِ، فَالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الْقِتَالِ بِالْمَدِينَةِ. وَأَخْرَجَ النَّحَّاسُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ» عَنْهُ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ بِهِمْ فِي الْمَغْرِبِ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ١٢]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤)سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لَا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢)
قَوْلُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَصَدُّوا أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ. مَعْنَى «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» : عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنْعِ قَاصِدِيهِ. وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَالْمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أَيْ: أَبْطَلَهَا وَجَعَلَهَا ضَائِعَةً. قَالَ الضَّحَّاكُ: مَعْنَى «أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ» : أَبْطَلَ كَيْدَهُمْ وَمَكْرَهُمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِمْ فِي كُفْرِهِمْ. وَقِيلَ: أَبْطَلَ مَا عَمِلُوهُ فِي الْكُفْرِ مِمَّا كَانُوا يسمّونه مكارم صفحة رقم 35
أَخْلَاقٍ مِنْ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَفَكِّ الْأُسَارَى، وَقِرَى الْأَضْيَافِ، وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً مِنْ أَصْلِهَا، لَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَكَمَ بِبُطْلَانِهَا. وَلَمَّا ذَكَرَ فَرِيقَ الْكَافِرِينَ أَتْبَعَهُمْ بِذِكْرِ فَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ، فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ظَاهِرُ هَذَا الْعُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِهَا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ، وَقِيلَ: فِي نَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقِيلَ: فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَكِنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَخَصَّ سُبْحَانَهُ الْإِيمَانَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى محمد صلّى الله عليه وَسَلَّمَ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِرَاجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الْإِيمَانِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِهِ وَعُلُوِّ مَكَانِهِ. وَجُمْلَةُ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَبَيْنَ خَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ. وَمَعْنَى كَوْنِهِ الْحَقَّ أَنَّهُ النَّاسِخُ لِمَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ رَبِّهِمْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَمَعْنَى «كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ»، أَيِ: السَّيِّئَاتِ الَّتِي عَمِلُوهَا فِيمَا مَضَى، فَإِنَّهُ غَفَرَهَا لَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ أَيْ: شَأْنَهُمْ وَحَالَهُمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ: شَأْنَهُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ:
حَالَهُمْ، وَقِيلَ: أَمْرَهُمْ، والمعاني متقاربة. قال المبرّد: البال: الحال ها هنا. قِيلَ: وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ عَصَمَهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي فِي حَيَاتِهِمْ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِصْلَاحَ حَالِ دُنْيَاهُمْ مِنْ إِعْطَائِهِمُ الْمَالَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ النَّقَّاشُ: إِنَّ الْمَعْنَى أَصْلَحَ نِيَّاتِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
| فَإِنْ تُقْبِلِي بِالْوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ | وَإِنْ تُدْبِرِي أَذْهَبْ إِلَى حَالِ بَالِيَا |
فَاضْرِبُوا الرِّقَابَ ضَرْبًا، وَخَصَّ الرِّقَابَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْقَتْلَ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ بِقَطْعِهَا، وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ كَقَوْلِهِمْ: يَا نَفْسُ صَبْرًا، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقَابِ. وَقِيلَ:
إِنَّمَا خَصَّ ضَرْبَ الرِّقَابِ لِأَنَّ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ مَا لَيْسَ فِي نَفْسِ الْقَتْلِ، وَهِيَ حَزُّ الْعُنُقِ وَإِطَارَةُ الْعُضْوِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْبَدَنِ وَعُلُّوُّهُ وَأَحْسَنُ أَعْضَائِهِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أَيْ: بَالَغْتُمْ فِي قَتْلِهِمْ وَأَكْثَرْتُمُ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَهَذِهِ غَايَةٌ لِلْأَمْرِ بِضَرْبِ الرِّقَابِ، لَا لِبَيَانِ غَايَةِ الْقَتْلِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثخين، أي: صفحة رقم 36
الْغَلِيظِ، وَقَدْ مَضَى تَحْقِيقُ مَعْنَاهُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فَشُدُّوا الْوَثاقَ الْوَثَاقَ بِالْفَتْحِ وَيَجِيءُ بِالْكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كَالرِّبَاطِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَأَوْثَقَهُ فِي الْوَثَاقِ، أَيْ: شَدَّهُ، قَالَ: وَالْوِثَاقُ بِكَسْرِ الْوَاوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ فَشُدُّوا بِضَمِّ الشِّينِ، وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِهَا، وَإِنَّمَا أمر سبحانه بشدّ الوثاق لئلا ينفلتو، وَالْمَعْنَى: إِذَا بَالَغْتُمْ فِي قَتْلِهِمْ فَأْسِرُوهُمْ وَأَحِيطُوهُمْ بِالْوَثَاقِ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً أَيْ:
فَإِمَّا أَنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْأَسْرِ مَنًّا، أَوْ تَفْدُوا فِدَاءً، وَالْمَنُّ: الْإِطْلَاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْفِدَاءُ: مَا يَفْدِي بِهِ الْأَسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الْأَسْرِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَتْلَ هُنَا اكْتِفَاءً بِمَا تَقَدَّمَ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: فِداءً بِالْمَدِّ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِدًى بِالْقَصْرِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمَنَّ عَلَى الْفِدَاءِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَمَا قَالَ شَاعِرُهُمْ:
| وَلَا نَقْتُلُ الْأَسْرَى وَلَكِنْ نَفُكُّهُمْ | إِذَا أَثْقَلَ الْأَعْنَاقَ حَمْلُ الْمَغَارِمِ |
الْمَعْنَى: حَتَّى يَضَعَ الْأَعْدَاءُ الْمُحَارِبُونَ أَوْزَارَهُمْ، وَهُوَ سِلَاحُهُمْ بِالْهَزِيمَةِ أَوِ الْمُوَادَعَةِ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ أَنَّهُمَا قَالَا: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالْمَعْنَى: فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، فَإِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ؟ فَقِيلَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ فِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَادَوْا وَلَا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، وَالنَّاسِخُ لَهَا قَوْلُهُ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «١» وَقَوْلُهُ:
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ «٢» وقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «٣» وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَكَثِيرٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: قَالُوا: وَالْمَائِدَةُ آخِرُ مَا نَزَلَ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إِلَّا مَنْ قَامَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى تَرْكِهِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ، وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَبَعْدَ الْأَسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ. وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ لأن النبيّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَكُونُ فِدَاءٌ وَلَا أَسْرٌ إِلَّا بَعْدَ الْإِثْخَانِ وَالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ «٤» فَإِذَا أَسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا رَآهُ مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ مَحَلُّ «ذَلِكَ» الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ
(٢). الأنفال: ٥٧.
(٣). التوبة: ٣٦.
(٤). الأنفال: ٦٧.
مَحْذُوفٍ، أَيِ: الْأَمْرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ، أَيِ: افْعَلُوا ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ، أَيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكفار، ومعنى «لو يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ» أَيْ: قَادِرٌ عَلَى الِانْتِصَارِ مِنْهُمْ بِالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ وَإِهْلَاكِهِمْ وَتَعْذِيبِهِمْ بِمَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَلكِنْ أَمَرَكُمْ بِحَرْبِهِمْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ أَيْ: لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى ابْتِلَائِهِ وَيُجْزِلَ ثَوَابَهُمْ وَيُعَذِّبَ الْكُفَّارَ بِأَيْدِيهِمْ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ «قَاتَلُوا» مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ قُتِلُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَيْضًا. وَقَرَأَ الْجَحْدَرَيُّ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَأَبُو حَيْوَةَ «قَتَلُوا» عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى.
وَالرَّابِعَةِ: أَنَّ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثَوَابُهُمْ غَيْرُ ضَائِعٍ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: أَنَّ الْمَقْتُولِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لَا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَجْرَهُمْ. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَا لَهُمْ عِنْدَهُ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ فَقَالَ: سَيَهْدِيهِمْ أَيْ: سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَى الرُّشْدِ فِي الدُّنْيَا، وَيُعْطِيهِمُ الثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ أَيْ: حَالَهُمْ وَشَأْنَهُمْ وَأَمْرَهُمْ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الْهِدَايَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا إِرْشَادُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَسَالِكِ الْجِنَانِ وَالطَّرِيقِ الْمُفْضِيَةِ إِلَيْهَا، وَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: يَهْدِيهِمْ إِلَى مُحَاجَّةِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ أَيْ: بَيَّنَهَا لَهُمْ حَتَّى عَرَفُوهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا دَخَلُوهَا عَرَفُوهَا بِصِفَتِهَا. وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ، أَيْ: عَرَفُوا طُرُقَهَا وَمَسَاكِنَهَا وَبُيُوتَهَا. وَقِيلَ: هَذَا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهُمْ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يُدْخِلَهُ مَنْزِلَهُ، كَذَا قَالَ مُقَاتِلٌ. وَقِيلَ: مَعْنَى «عَرَّفَهَا لَهُمْ» : طَيَّبَهَا بِأَنْوَاعِ الْمَلَاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَرْفِ، وَهُوَ الرَّائِحَةُ. ثُمَّ وَعَدَهُمْ سُبْحَانَهُ عَلَى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ أَيْ: إِنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكُمْ عَلَى الْكُفَّارِ وَيَفْتَحْ لَكُمْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ «١» قَالَ قُطْرُبٌ: إِنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ أَيْ: عِنْدَ الْقِتَالِ. وَتَثْبِيتِ الْأَقْدَامِ عِبَارَةٌ عَنِ النَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ فِي مُوَاطِنِ الْحَرْبِ، وَقِيلَ: عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: عَلَى الصِّرَاطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ الْمَوْصُولُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَتَعِسُوا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وَانْتِصَابُ تَعْسًا عَلَى الْمَصْدَرِ لِلْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ خَبَرًا. قَالَ الْفَرَّاءُ: مثل سقيا لهم ورعيا، وَأَصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطَاطُ وَالْعِثَارُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
التَّعْسُ: أَنْ يُجَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَالنَّكْسُ: أَنْ يُجَرَّ عَلَى رَأْسِهِ، قَالَ: وَالتَّعْسُ أَيْضًا الْهَلَاكُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَأَصْلُهُ الْكَبُّ وَهُوَ ضِدُّ الِانْتِعَاشِ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلَالٍ:
| تَقُولُ وَقَدْ أفردتها من خليلها | تَعِسْتَ كَمَا أَتْعَسْتَنِي يَا مُجَمِّعُ |
شَقَاءً لَهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: شَتْمًا لَهُمْ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هَلَاكًا لَهُمْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: خَيْبَةً لَهُمْ. وقيل: قبحا لَهُمْ، حَكَاهُ النَّقَّاشُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: رَغْمًا لَهُمْ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ أَيْضًا: شَرًّا لَهُمْ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: شِقْوَةً لَهُمْ. وَاللَّامُ فِي «لَهُمْ» لِلْبَيَانِ كما في قوله: هَيْتَ لَكَ «١». وَقَوْلُهُ: وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، دَاخِلٌ مَعَهُ فِي خَبَرِيَّةِ الْمَوْصُولِ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ وَالْإِضْلَالِ، أَيِ: الْأَمْرُ ذَلِكَ، أَوْ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ مَا أَنْزَلَ عَلَى رُسُلِهِ مِنْ كُتُبِهِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْبَعْثِ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ مَا كَانُوا عَمِلُوا مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ فِي الصُّورَةِ وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً مِنَ الْأَصْلِ لِأَنَّ عَمَلَ الْكَافِرِ لَا يُقْبَلُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحَانَهُ الْكُفَّارَ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِحَالِ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَقَالَ: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أَيْ: أَلَمْ يَسِيرُوا فِي أَرْضِ عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ: آخِرُ أَمْرِ «٢» الْكَافِرِينَ قَبْلَهُمْ، فَإِنَّ آثَارَ الْعَذَابِ فِي دِيَارِهِمْ بَاقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا صَنَعَ بِمَنْ قَبْلَهُمْ فَقَالَ: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوَابُ سُؤَالٍ مقدّر، والتدمير:
الإهلاك، أَيْ: أَهْلَكَهُمْ وَاسْتَأْصَلَهُمْ، يُقَالُ: دَمَّرَهُ وَدَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقَالَ:
وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها أي: لهؤلاء أَمْثَالُ عَاقِبَةِ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ. قَالَ الزَّجَّاجُ وَابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ فِي «أَمْثالُها» يَرْجِعُ إِلَى «عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ»، وَإِنَّمَا جُمِعَ لِأَنَّ الْعَوَاقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الْأُمَمِ الْمُعَذَّبَةِ، وَقِيلَ: أَمْثَالُ الْعُقُوبَةِ، وَقِيلَ: الْهَلْكَةُ، وَقِيلَ: التدمير، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إِلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَهُ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذلِكَ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ أَنَّ لِلْكَافِرِينَ أَمْثَالَهَا بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ: بِسَبَبِ أَنَّ اللَّهَ نَاصِرُهُمْ وَأَنَّ الْكافِرِينَ لَا مَوْلى لَهُمْ أَيْ: لَا نَاصِرَ يَدْفَعُ عَنْهُمْ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْآيَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الْأَنْهَارِ مِنْ تَحْتِ الْجَنَّاتِ، وَالْجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيَانِ وِلَايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ أَيْ: يَتَمَتَّعُونَ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأَنَّهُمْ أَنْعَامٌ لَيْسَ لَهُمْ هِمَّةٌ إِلَّا بُطُونُهُمْ وَفُرُوجُهُمْ، سَاهُونَ عَنِ الْعَاقِبَةِ، لَاهُونَ بِمَا هُمْ فِيهِ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أَيْ: مُقَامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، وَمَنْزِلٌ يَنْزِلُونَهُ وَيَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْأَنْصَارُ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قَالَ: أَمْرَهُمْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ قَالَ: كانت لهم أعمال فاضلة، ولا يقبل الله مع الكفر
(٢). من تفسير القرطبي (١٦/ ٢٣٥).
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني