قَوْله تَعَالَى: فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله وَقد علم؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن المُرَاد مِنْهُ هُوَ الثَّبَات على الْعلم لَا ابْتِدَاء الْعلم. وَالثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: فاذكر أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله، فَعبر عَن الذّكر بِالْعلمِ لحدوثه عِنْده. وَيُقَال: الْخطاب مَعَ الرَّسُول، وَالْمرَاد مِنْهُ الْأمة.
صفحة رقم 177
وَقَوله: واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات قد ثَبت بِرِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " إِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم سبعين مرّة "، وَفِي رِوَايَة: " مائَة مرّة ".
فَإِن قيل: كَيفَ أمره بالاستغفار وَكَانَ مَعْصُوما من الذُّنُوب؟ وَالْجَوَاب: أَنه كَانَ لَا يَخْلُو من الْخَطَأ والزلل وَبَعض الذُّنُوب الَّتِي هِيَ من الصَّغَائِر، فَأمره الله تَعَالَى بالاستغفار مِنْهَا، وَأمره بالاستغفار للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات، وَكَانَ يَدْعُو لَهُم ويستغفر لَهُم.
وَفِي الْمَشْهُور من الْخَبَر أَن النَّبِي لما ابْتَدَأَ بِهِ الْمَرَض الَّذِي توفى فِيهِ خرج إِلَى أحد، واستغفر لشهداء أحد، ثمَّ اسْتغْفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات "... وَالْخَبَر فِيهِ طول.
وَقَوله: وَالله يعلم متقلبكم ومثواكم أَي: منصرفكم وَمَوْضِع مقامكم، وَيُقَال: متقلبكم بِالنَّهَارِ ومثواكم بِاللَّيْلِ. وَقيل: متقلبكم ومثواكم أَي: يعلم جَمِيع مَا أَنْتُم عَلَيْهِ فِي جَمِيع أحوالكم. وَيُقَال: يعلم متقلبكم أَي: منصرفكم فِي الدُّنْيَا، ومثواكم أَي: منقلبكم فِي الْآخِرَة، وَإِمَّا إِلَى الْجنَّة، وَإِمَّا إِلَى النَّار. وَقد ثَبت بِرِوَايَة حمْرَان عَن عُثْمَان أَن رَسُول الله قَالَ: " من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَن لاإله إِلَّا الله دخل الْجنَّة
الَّذين آمنُوا لَوْلَا نزلت سُورَة فَإِذا أنزلت سُورَة محكمَة وَذكر فِيهَا الْقِتَال رَأَيْت الَّذين
وَعَن عبيد بن الْمُغيرَة قَالَ: قَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان: قَوْله: واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ثمَّ قَالَ: كنت رجلا ذرب اللِّسَان على أَهلِي فَقلت: يارسول الله، إِنِّي أَخَاف أَن يدخلني لساني النَّار. فَقَالَ: أَيْن أَنْت [من] الاسْتِغْفَار؟ إِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة ". وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " خير الْعَمَل لَا إِلَه إِلَّا الله، وَخير الدُّعَاء أسْتَغْفر الله ". وَفِي بعض الْآثَار: " أَن الرجل إِذا اسْتغْفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات رد الله تَعَالَى عَلَيْهِ عَن كل مُؤمن ومؤمنة ".
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم