الساعة إذا جاءتهم وقد فرطوا فيها (١).
وقال قتادة: يقول: أنى لهم أن يتذكروا ويتوبوا إذا جاءتهم الساعة (٢).
وقال الحسن: إذا جاءت الساعة لا تقبل منهم (٣).
قال الفراء: ومثله قوله (٤): يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣].
١٩ - قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لم أر في هذا شيئاً أمثل مما قال أبو إسحاق، وهو أنه قال: المعنى: قد بينا ما يدل على أن الله -عز وجل- واحد فاعلم أنه لا إله إلا الله، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد علم ذلك ولكنه خطاب يدخل الناس مع النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق: ١] والمعنى: من علم فليقم على ذلك العلم، كما قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٥] أي ثبتنا على الهداية (٥)، هذا كلامه على أنه قد ذكر عن عبد العزيز بن يحيي أنه قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم-: يضجر ويضيق صدره من طعن الكافرين والمنافقين فيه، فأنزل الله هذه الآية يعني: فاعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله، فلا تعلق قلبك على أحد سواه (٦).
ويجوز أن يكون قوله: (فاعلم) جواباً لقوله (إذا جاءتهم) له جوابان
(٢) انظر: "تفسير الماوردي" ٥/ ٢٩٩، "زاد المسير" ٧/ ٤٠٤، "الجامع لأحكام القرآن" ١٦/ ٢٤١.
(٣) ذكر ذلك الهواري في "تفسيره" من غير نسبة. انظر ٤/ ١٦٥، وكذلك ذكره الفخر الرازي ٢٨/ ٦٠.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٦١.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٢.
(٦) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" ١٠/ ١٢٧ أ.
أحدهما: سابق؛ وهو قوله: فَأَنَّى لَهُمْ، والآخر: (فاعلم)، ويكون المعنى على هذا: إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا إله إلا الله، أي: في ذلك الوقت تبطل الممالك والدعاوى، فلا ملك ولا حكم لأحد إلا الله ولا ملجأ إلى أحد إلا الله كقوله: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] وهذا المعنى يروى عن سفيان بن عيينة وأبي العالية (١).
قوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ الكلام في ذنبه -صلى الله عليه وسلم- يأتي في أول سورة الفتح إن شاء الله، قال أهل المعاني: وإنما أمر بالاستغفار مع أنه مغفور له لتستن ول أمته في الاستغفار (٢)، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأستغفر في اليوم سبعين مرة" (٣).
قوله تعالى: وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أي: ولذنوبهم، وهذا إكرام من الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات من هذه الأمة حين أمر نبيهم -صلى الله عليه وسلم- أن يستغفر لهم، وهو الشفيع المجاب، ثم أخبر عن علمه بأحوال الخلق ومآلهم بقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ قال ابن عباس: متصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا ومصيركم في الآخرة إلى الجنة أو النار (٤).
(٢) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" ١٠/ ١٢٧/ ب، والبغوي في "تفسيره" ٧/ ٢٨٥، والقرطبي في "الجامع" ١٦/ ٢٤٢.
(٣) أخرج ذلك الترمذي عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. انظر: "سنن الترمذي" كتاب: التفسير باب ٤٨، ومن سورة محمد -صلى الله عليه وسلم- ٥/ ٣٨٣، رقم ٣٢٥٩. وانظر: "الدر المنثور" ٧/ ٤٩٥ وقد، عزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "شعب الإيمان"، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٢٢٣.
(٤) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" ١٠/ ١٢٨ أوالبغوي في "تفسيره" ٧/ ٢٨٥، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٧/ ٤٠٥، والقرطبي في "الجامع" ١٦/ ٢٤٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي