فأعلم أنه أي الشأن لا إله إلا الله الفاء للسببية أي إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين فاثبت أنت يا محمد على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية وتكميل النفس بإصلاح أحوالها وأفعالها النافع يوم القيامة واستغفر لذنبك هضما لنفسك وإظهار للتقصير في العبادة بالنسبة إلى جلال ربك وعظمته وليستن به أمتك وقد فعله صلى الله عليه وسلم حيث قال :( إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة )١ رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث الأغر المزني، قلت : لعل غين القلب كناية عما يرى الصوفي في نفسه من ظلمات إلا مكان بعدها بسند كمالاته إلى جناب الرحمان، قال المجدد للألف الثاني رضي الله عنه معرفة الله تعالى حرام على من لم ير نفسه شرا من الكافر الفرنجي قيل عليه كيف يتصور ذلك مع ما يرى نفسه مؤمنا حقا لا أقل منه ويرى الكافر كافرا لا محالة ومعرفة فضل الإيمان على الكفر من ضروريات الدين، أجاب عنه بأن كل ممكن موجود فهي لا يخلو عن ظلمة الإمكان ونور الوجود المستعار من الرحمان فالعارف بالله يرى في نفسه غالبا جانب العدم والإمكان وما به من الوجود وأتباعه من الكمالات يجده مستعارا من الملك المنان امتثالا لأمره إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ٢ ويرى في من سواه غالبا جانب الوجود المستفاد من الرحمان فلا جرم يرى نفسه شرا من كل من سواه وهذه المعرفة لا يزاحم معرفة فضل الإيمان على الكفر باختلاف الألحاظ والحيثيات وسعة العلم والإدراكات بخلاف الغافل يرى وجوده وكمالاته مستندا إلى نفسه وينادي أنا خير منه ولا حول ولا قوة إلا بالله وللمؤمنين والمؤمنات أي استغفر لذنوبهم بالدعاء لهم والتحريض على ما يستدعي لغفرانهم وفي إعادة الجار وحذف المضاف إشعار لفرط احتياجهم وكثرة ذنوبهم وأنها جنس آخر، قال البغوي هذا إكرام من الله تعالى لهذه الأمة حيث أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم والله يعلم متقلبكم ومثواكم قال ابن عباس كتقلبكم مصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا ومثواكم مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو النار، وقال مقاتل وابن جرير منصرفكم لاشتغالكم بالنهار ومثواكم مأواكم إلى مضاجعكم بالليل، وقال عكرمة متقلبكم من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم مقامكم في الأرض، وقال ابن كيسان متقلبكم من ظهر إلى بطن ومثواكم مقامكم في القبور والمعنى أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها فاحذروه والخطاب للمؤمنين وغيرهم.
٢ سورة النساء، الآية: ٥٨..
التفسير المظهري
المظهري