هوان الدنيا، وختام سورة محمد صلى الله عليه وسلم
إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ( ٣٦ ) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ( ٣٧ ) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ( ٣٨ )
تمهيد :
في ختام السورة تتجه الآيات إلى ترقيق القلوب، وبيان هوان الدنيا، وسرعة تحولها، فمتاعها قليل، وهي كاللعب واللهو، أما الإيمان والتقوى وطاعة الله فثوابها مضمون، والمطلوب من المؤمن نسبة الزكاة، وهي نسبة عادلة، فالله لا يطلب منا جميع أموالنا، مع أنه هو الذي خلقنا ورزقنا، وإن سألنا إياها وألحف في السؤال، فيشتد البخل بها، والحقد على الدين والرسول الكريم، لأن المال شقيق الروح، وطالب جميع المال يستثير الأحقاد والأضغان، إن الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال هدف من أسمى الأهداف، وها أنتم تدعون لتنفقوا في سبيل الله، فمنكم من يبخل بماله، ومن يبخل فضرر البخل عائد على نفسه، والله غني عنكم، لا تنفعه طاعتكم، ولا تضره معصيتكم، وأنتم الفقراء إلى رحمته وفضله وثوابه، وإذا أعرضتم عن الإسلام فإن الله من المؤمنين رجالا غيركم، لهم عزائم الأبطال ولن يكونوا أمثالكم، بل أطوع لله منكم، وقد تحقق لهذا الدين أن احتضنه العرب حينا، ثم الفرس حينا، فكان الفقهاء والعلماء والمترجمون والنحاة والأدباء من بلاد الفرس وسمرقند وبخارى وبلاد ما وراء النهر، وكان للأندلس وعلماء المغرب دور نشيط في خدمة الدين، وكان لمصر وأفريقيا وللقارة الهندية دور في حفظ الحديث والتشريع، وهكذا لم يتعصب الإسلام للعرب كجنس، بل بين أن العربية اللسان، وأن كل من تكلم العربية فهو عربي.
التفسير :
٣٨- ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم .
ها أنتم معشر المسلمين، يأتيكم أمر الله ودعوته لكم بالإنفاق في سبيل الله، بإخراج الزكاة والصدقة، وتجهيز المقاتلين في سبيل الله، والإنفاق على الجهاد والقتال، وبعض المسلمين يبخل بالزكاة، أو بالإنفاق على المجاهدين، ومن يبخل فإنما وزر بخله يعود عليه، وإثم منع الزكاة ومنع نفقات الجهاد يعود على المانع.
والله الغني... فهو سبحانه غني بذاته، لا تنفعه طاعتنا، ولا تضره معصيتنا، ولا يحتاج إلى إنفاق أموالنا عليه.
وأنتم الفقراء... الناس بذاتهم في أشد الفقر إلى رزق الله لهم في الدنيا، وإلى ثواب الله ورضوانه في الآخرة.
قال تعالى : يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد . ( فاطر : ١٥ ).
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم . وإن تعرضوا عن أحكام الله وشرائع دينه يذهبكم الله كما أذهب المكذبين قبلكم، ويأت بقوم أطوع لله منكم، يحرصون على طاعته ومرضاته، تلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وقد اختلف المفسرون في تعيين أولئك القوم الجدد، فقيل : هم الملائكة، أو الأنصار، أو التابعون، أو أهل اليمن، أو كندة والنخع، أو العجم، أو فارس والروم، والأولى تفويض ذلك إلى علم الله، والخطاب لقريش أو لأهل المدينة، والأولى جعل الخطاب متجددا بتجدد الأجيال والأمم، سواء كان عند نزول الوحي أو بعد ذلك.
روى مسلم، وابن أبي حاتم، وابن جرير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم . فقالوا : يا رسول الله، من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا ؟ قال : فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي رضي الله عنه، ثم قال :( هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس )١١.
تفسير القرآن الكريم
شحاته