وَالضِّغْنُ: الْعَدَاوَةُ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ [مُحَمَّد: ٢٩].
وَالْمَعْنَى: يَمْنَعُوا الْمَالَ وَيُظْهِرُوا الْعِصْيَانَ وَالْكَرَاهِيَةَ، فَلُطْفُ اللَّهِ بِالْكَثِيرِ مِنْهُمُ اقْتَضَى أَنْ لَا يَسْأَلَهُمْ مَالًا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا لَمَّا تَمَكَّنَ الْإِيمَانُ مِنْ قُلُوبِهِمْ فَأَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْإِنْفَاقَ فِي الْجِهَادِ.
وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي وَيُخْرِجْ عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ، وَجُوِّزَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْبُخْلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْلِهِ: تَبْخَلُوا أَيْ مِنْ قَبِيلِ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْمَائِدَة: ٨]. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يُخْرِجْ بِيَاءٍ تَحْتِيَّةٍ فِي أَوَّلِهِ. وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ بِنُونٍ فِي أَوَّلِهِ.
[٣٨]
[سُورَة مُحَمَّد (٤٧) : آيَة ٣٨]
هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)
هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
كَلَامُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ قَوْله: وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: عَنْ نَفْسِهِ [مُحَمَّد: ٣٦- ٣٨]
يُعْرِبُ عَنْ حَيْرَةٍ فِي مُرَادِ اللَّهِ بِهَذَا الْكَلَامِ. وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ آنِفًا بِمَا يَشْفِي وَبَقِيَ عَلَيْنَا قَوْلُهُ: هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا إِلَخْ كَيْفَ مَوْقِعُهُ بَعْدَ قَوْله: وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ لِلْإِنْفَاقِ عَيْنُ سُؤَالِ الْأَمْوَالِ فَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ آنِفا وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِتَدْفَعُوا أَعْدَاءَكُمْ عَنْكُمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ اللَّهُ كَمَا قَالَ: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ. وَنَظْمُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ دَعْوَةٌ لِلْإِنْفَاقِ فِي الْحَالِ وَلَيْسَ إِعْلَامًا لَهُمْ بِأَنَّهُمْ سَيُدْعَوْنَ لِلْإِنْفَاقِ فَهُوَ طَلَبٌ حَاصِلٌ.
وَيُحْمَلُ تُدْعَوْنَ عَلَى مَعْنَى تُؤْمَرُونَ أَيْ أَمْرُ إِيجَابٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ تُدْعَوْنَ عَلَى دَعْوَةِ التَّرْغِيبِ، فَتَكُونُ الْآيَةُ تَمْهِيدًا لِلْآيَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ إِيجَابَ الْإِنْفَاقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِثْلَ آيَةِ وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التَّوْبَة: ٤١] وَنَحْوِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِعْلَامًا بِأَنَّهُمْ سَيُدْعَوْنَ إِلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِيمَا بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْمُضَارِعُ مُسْتَعْمَلًا فِي زَمَنِ الِاسْتِقْبَالِ وَالْمُضَارِعُ يَحْتَمِلُهُ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ.
وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ فَقَوْلُهُ: فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ إِمَّا مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّوْبِيخِ أَوْ مَسَاقَ التَّنْبِيهِ عَلَى الْخَطَأِ فِي الشُّحِّ بِبَذْلِ الْمَالِ فِي الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ السِّيَاقِ لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَبْخَلُ بُخْلًا لَيْسَ عَائِدًا بُخْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ إِذْ يَتَمَكَّنُ عَدُّوهُ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلَيْهِ فَعَادَ بُخْلُهُ بِالضُّرِّ عَلَيْهِ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ بِحِرْمَانِهَا مِنْ ثَوَابِ الْإِنْفَاقِ.
وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ إِنَّمَا قَصْرُ قَلْبٍ بِاعْتِبَارِ لَازِمِ بُخْلِهِ لِأَنَّ الْبَاخِلَ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَنَعَ مَنْ دَعَاهُ إِلَى الْإِنْفَاقِ وَلَكِنَّ لَازِمَ بُخْلِهِ عَادَ عَلَيْهِ بِحِرْمَانِ نَفْسِهِ مِنْ مَنَافِعِ ذَلِكَ الْإِنْفَاقِ، فَالْقَصْرُ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مُرَكَّبٌ. وَفِعْلُ (بَخِلَ) يَتَعَدَّى بِ عَنْ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْإِمْسَاكِ وَيَتَعَدَّى بِ (عَلَى) لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّضْيِيقِ عَلَى الْمَبْخُولِ عَلَيْهِ. وَقَدْ عُدِّيَ هُنَا بِحَرْفِ عَنْ.
وَهَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَةِ (هَا) تَنْبِيهٌ فِي ابْتِدَاءِ الْجُمْلَةِ، وَمِنْ ضَمِيرِ الْخِطَابِ ثُمَّ مِنْ (هَا) التَّنْبِيهِ الدَّاخِلَةِ عَلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ الْمُفِيدَةِ تَأْكِيدَ مَدْلُولِ الضَّمِيرِ. وَنَظِيرُهُ
قَوْلُهُ: هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٠٩]. وَالْأَكْثَرُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْإِشَارَةِ فِي مِثْلِهِ مُجَرَّدًا عَنْ (هَا) اكْتِفَاءً بِ (هَاءِ) التَّنْبِيهِ الَّتِي فِي أَوَّلِ التَّرْكِيبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١١٩].
وَجُمْلَةُ تُدْعَوْنَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ يُفِيدُ حُصُولَ مَدْلُولِ جُمْلَةِ الْحَالِ لِصَاحِبِهَا حُصُولًا وَاضِحًا. وَزَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحَاةِ أَنَّ عَدَمَ ذِكْرَ اسْمِ الْإِشَارَةِ بَعْدَ (هَا أَنَا) وَنَحْوِهِ لَحْنٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ دُخُولُ (هَا) التَّنْبِيهِ عَلَى اسْمٍ غَيْرِ اسْمِ الْإِشَارَةِ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «مُغْنِي اللَّبِيبِ»، بِنَاءً عَلَى أَنَّ (هَا) التَّنْبِيهِ الْمَذْكُورَةَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ هِيَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ فِي نَحْوِ: هَذَا وَهَؤُلَاءِ، وَأَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَهَا فَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اسْمِ الْإِشَارَةِ. وَلَكِنْ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ «الْمُغْنِي» فِي دِيبَاجَةِ كِتَابِهِ إِذْ قَالَ: وَهَا أَنَا بَائِحٌ بِمَا أَسْرَرْتُهُ، وَفِي مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ مِنْهُ نَبَّهَ عَلَيْهِمَا بَدْرُ
الدِّينِ الدَّمَامِينِيُّ فِي شَرْحِهِ «الْمَزْجِ عَلَى الْمُغْنِي»، وَذَكَرَ فِي شَرْحِهِ الَّذِي بِالْقَوْلِ الْمُشْتَهِرِ بِ «الْحَوَاشِي الْهِنْدِيَّةِ» أَنَّ تَمْثِيلَ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي «الْمُفَصَّلِ» بقوله: هَا إِنَّ زَيْدًا مُنْطَلَقٌ يَقْتَضِي جَوَازَ: هَا أَنَا أَفْعَلُ، لَكِنَّ الرَّضِيَّ قَالَ: لَمْ أَعْثُرْ بِشَاهِدٍ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ تَذْيِيلٌ لِلشَّيْءِ قَبْلَهَا فَاللَّهُ الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ، وَالْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ مَالًا فِي شَيْءٍ، وَالْمُخَاطَبُونَ فُقَرَاءُ فَلَا يُطْمَعُ مِنْهُمُ الْبَذْلُ فَتَعَيَّنَ أَنَّ دُعَاءَهُمْ لِيُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعَاءٌ بِصَرْفِ أَمْوَالِهِمْ فِي مَنَافِعِهِمْ كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَالتَّعْرِيفُ بِاللَّامِ فِي الْغَنِيُّ وَفِي الْفُقَراءُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَهُوَ فِيهِمَا مُؤْذِنٌ بِكَمَالِ الْجِنْسِ فِي الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَلَمَّا وَقَعَا خَبَرِينِ وَهُمَا مَعْرِفَتَانِ أَفَادَا الْحَصْرَ، أَيْ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ قَصْرُ جِنْسِ الْغَنِيِّ عَلَى اللَّهِ وَقَصْرُ جِنْسِ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْمُخَاطِبِينَ بِ أَنْتُمْ وَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ فِيهِمَا مُرَتَّبٌ عَلَى دَلَالَةِ أَلْ عَلَى مَعْنَى كَمَالِ الْجِنْسِ، فَإِنَّ كَمَالَ الْغِنَى لِلَّهِ لَا مَحَالَةَ لِعُمُومِهِ وَدَوَامِهِ، وَإِنْ كَانَ يُثْبِتُ بَعْضَ جِنْسِ الْغِنَى لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا كَمَالُ الْفَقْرِ لِلنَّاسِ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى غِنَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُغْنَوْنَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لَكِنَّ ذَلِكَ غِنًى قَلِيلٌ وَغَيْرُ دَائِمٍ.
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ.
عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ [مُحَمَّد: ٣٦]. وَالتَّوَلِّي:
الرُّجُوعُ، وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِاسْتِبْدَالِ الْإِيمَانِ بِالْكُفْرِ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ جَزَاؤُهُ اسْتِبْدَالَ قَوْمٍ غَيْرِهِمْ
كَمَا اسْتَبْدَلُوا دِينَ اللَّهِ بِدِينِ الشِّرْكِ.
وَالِاسْتِبْدَالُ: التَّبْدِيلُ، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، ومفعوله قَوْماً أَو المستبدل بِهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَى تَقْدِيرِهِ قَوْلُهُ غَيْرَكُمْ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَبْدَلَ بِهِ هُوَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ (غَيْرُ) لِتَعَيُّنِ انْحِصَارِ الِاسْتِبْدَالِ فِي شَيْئَيْنِ، فَإِذَا ذُكِرَ أَحَدَهُمَا عُلِمَ الْآخَرُ. وَالتَّقْدِيرُ: يَسْتَبْدِلُ قَوْمًا بِكُمْ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي فِعْلِ الِاسْتِبْدَالِ وَالتَّبْدِيلِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ هُوَ الْمُعَوِّضُ وَمَجْرُورُ الْبَاءِ هُوَ الْعِوَضُ كَقَوْلِهِ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦١]. وَإِنْ كَانَ كِلَا الْمُتَعَلِّقَيْنِ هُوَ فِي الْمَعْنَى مُعَوَّضٌ وَعِوَضٌ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارِ، وَلِذَلِكَ عُدِلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ ذِكْرِ الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ مَعَ الْمَفْعُولِ لِلْإِيجَازِ. وَالْمَعْنَى: يَتَّخِذُ قَوْمًا غَيْرِكُمْ لِلْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ لَا يُوجِدُ قَوْمًا آخَرِينَ إِلَّا عِنْدَ ارْتِدَادِ الْمُخَاطَبِينَ، بَلِ الْمُرَادُ: أَنَّكُمْ إِنِ ارْتَدَدْتُمْ عَنِ الدِّينِ كَانَ لِلَّهِ قَوْمٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَرْتَدُّونَ وَكَانَ لِلَّهِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ فِي الْإِيمَانِ وَلَا يَرْتَدُّونَ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ. قَالُوا: وَمَنْ يُسْتَبْدَلُ بِنَا؟ قَالَ: فَضَرَبَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْكِبِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ثُمَّ قَالَ: هَذَا وَقَوْمُهُ، هَذَا وَقَوْمُهُ»
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ» : هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَزَادَ
فِيهِ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ»
. وَأَقُولُ هُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَارِسَ إِذَا آمَنُوا لَا يَرْتَدُّونَ وَهُوَ من دَلَائِل نبوءة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الْعَرَبَ ارْتَدَّ مِنْهُمْ بَعْضُ الْقَبَائِلِ بَعْدَ وَفَاة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَارْتَدَّ الْبَرْبَرُ بَعْدَ فَتْحِ بِلَادهمْ وَإِيمَانهمْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً فِيمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْن أَبِي زَيْدٍ، وَلَمْ يَرْتَدَّ أَهْلُ فَارِسَ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ.
وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ لِإِفَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِصِفَةِ الثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَعُلَوِّهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ، أَيْ وَلَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ فِي التَّوَلِّي. وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ بِ (ثُمَّ) عَلَى جُمْلَةِ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ فَهِيَ فِي حَيِّزِ جَوَابِ الشَّرْطِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ التَّشْرِيكِ يَجُوزُ جَزْمُهُ عَلَى الْعَطْفِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَقَدْ جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْجَزْمِ وَجَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ [آل عمرَان: ١١١] عَلَى الرَّفْعِ. وَأَبْدَى الْفَخْرُ وَجْهًا لِإِيثَارِ الْجَزْمِ هُنَا وَإِيثَارِ الِاسْتِئْنَافِ هُنَالِكَ فَقَالَ: وَهُوَ مَعَ الْجَوَازِ فِيهِ تَدْقِيقٌ وَهُوَ أَنَّ هَاهُنَا لَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالتَّوَلِّي لِأَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَتَوَلَّوْا
يَكُونُونَ مِمَّنْ يَأْتِي اللَّهُ بِهِمْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَإِنْ تَوَلَّوْا لَا يَكُونُونَ مِثْلَهُمْ لِكَوْنِهِمْ عَاصِينَ وَكَوْنِ مَنْ يَأْتِي اللَّهُ بِهِمْ
مُطِيعِينَ، وَأَمَّا هُنَالِكَ فَسَوَاءٌ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا لَا يَنْصُرُونَ فَلَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيقِ أَيْ بِالشَّرْطِ هُنَالِكَ وَجْهٌ فَرُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَهَاهُنَا جزم للتعليق اهـ. وَهُوَ دَقِيقٌ وَيُزَادُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَعْطُوفَ عَلَى الْجَزَاءِ فِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ وَقَعَ فِي آخِرِ الْفَاصِلَةِ الَّتِي جَرَتْ أَخَوَاتُهَا عَلَى حَرْفِ الْوَاوِ وَالنُّونِ فَلَوْ أُوثِرَ جَزْمُ الْفِعْلِ لَأُزِيلَتِ النُّونُ فَاخْتَلَّتِ الْفَاصِلَةُ.
صفحة رقم 140
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٤٨- سُورَةُ الْفَتْحِسُورَةُ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الْفَتْح: ١] سُمِّيَتْ فِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ سُورَةَ الْفَتْحِ.
وَوَقَعَ
فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ- بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَفَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ- قَالَ: قَرَأَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الْفَتْحِ فَرَجَعَ فِيهَا
. وَفِيهَا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ تَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا. ثُمَّ حَكَى مَقَالَةَ عُمَرَ إِلَى أَنْ قَالَ:
فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا اسْمٌ آخَرٌ. وَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ أَنَّهَا تَضَمَّنَتْ حِكَايَةَ فَتْحِ مُتَّجَهِ الله للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ عَلَى الْمُصْطَلَحِ الْمَشْهُورِ فِي أَنَّ الْمَدَنِيَّ مَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَلَوْ كَانَ نُزُولُهُ فِي مَكَانٍ غَيْرِ الْمَدِينَةِ مَنْ أَرْضِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. وَهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ كُرَاعَ الْغَمِيمِ بِضَمِّ الْكَافِ مَنْ كُرَاعٍ وَبِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنَ الْغَمِيمِ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَهُوَ وَادٍ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ وَعَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ عُسْفَانَ وَهُوَ مِنْ أَرْضِ مَكَّةَ.
وَقِيلَ نَزَلَتْ بِضَجْنَانَ بِوَزْنِ سَكْرَانَ وَهُوَ جَبَلٌ قُرْبَ مَكَّةَ وَنَزَلَتْ لَيْلًا فَهِيَ مِنَ الْقُرْآنِ اللَّيْلِيِّ.
وَنُزُولُهَا سَنَةَ سِتٍّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ منصرف النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَبْلَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ
وَفِي «الْمُوَطَّأِ» عَنْ عُمَرَ «أَنَّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ أَيْ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ: عُمَرُ ثَكِلَتْ أُمُّ عُمَرَ نَزَرْتَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي وَتَقَدَّمَتُ أَمَامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ الْقُرْآنُ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي، فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَجِئْتُ رَسُول صفحة رقم 141
الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
[الْفَتْح: ١]. وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَهِيَ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ [الْفَتْح: ٢].
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيءِ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ إِلَى قَوْلِهِ: فَوْزاً عَظِيماً [الْفَتْح: ٢- ٥] مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ» ثُمَّ قَرَأَهَا
. وَهِيَ السُّورَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الْمِائَةِ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ فِي قَوْلِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الصَّفِّ وَقَبْلَ سُورَةِ التَّوْبَةِ. وَعِدَّةُ آيِهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. وَسَبَبُ نُزُولِهَا مَا
رَوَاهُ الْوَاحِدِيُّ وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَا: «نَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي شَأْنِ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ نُسُكِنَا فَنَحْنُ بَيْنَ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»
وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا».
أَغْرَاضُهَا
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِشَارَةَ الْمُؤْمِنِينَ بِحُسْنِ عَاقِبَةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَّهُ نَصْرٌ وَفَتْحٌ فَنَزَلَتْ بِهِ السَّكِينَةُ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَأَزَالَ حُزْنَهُمْ مِنْ صَدِّهِمْ عَنِ الِاعْتِمَارِ بِالْبَيْتِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ عِدَّةً لَا تُغْلَبُ مِنْ قِلَّةٍ فَرَأَوْا أَنَّهُمْ عَادُوا كَالْخَائِبِينَ فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ، وَأَنَّ دَائِرَةَ السَّوْءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ. وَالتَّنْوِيهَ بكرامة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ رَبِّهِ وَوَعْدَهُ بِنَصْرٍ مُتَعَاقِبٍ. وَالثَّنَاءَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَزَّرُوهُ وَبَايَعُوهُ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدَّمَ مَثَلَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَفِي الْإِنْجِيلِ.
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
محمد الطاهر بن عاشور