ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ

مطلب : الظن على أربعة أضرب
وقوله تعالى : اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِثْمٌ اقتضت الآية النهي عن بعض الظنّ لا عن جميعه ؛ لأن قوله : كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ يقتضي البعض، وعقبه بقوله : إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ فدل أنه لم يُنْهَ عن جميعه. وقال في آية أخرى : وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً [ النجم : ٢٨ ]، وقال : وظننتم ظنّ السوء وكنتم قوماً بُوراً [ الفتح : ١٢ ] ؛ فالظن على أربعة أضرب : محظور ومأمور به ومندوب إليه ومباح. فأما الظنّ المحظور فهو سوء الظن بالله تعالى. حدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا معاذ بن المثنّى ومحمد بن محمد بن حيان التمار قالا : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاث يقول :" لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله عزَّ وجلَّ ".
وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا أبو سعيد يحيى بن منصور الهروي قال : حدثنا سويد بن نصر قال : حدثنا ابن المبارك عن هشام بن الغازي عن حبان بن أبي النصر قال : سمعت واثلة بن الأسقع يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يَقُولُ الله : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ ".
وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن واسع عن شُتَيْر يعني ابن نهار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" حُسْنُ الظَّنِّ مِنَ العِبَادَةِ "، وهو مرفوع في حديث نصر بن علي غير مرفوع في حديث موسى بن إسماعيل.
فحسن الظنّ بالله فرض وسوء الظن به محظور منهيٌّ، وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور مَزْجُور عنه، وهو من الظنّ المحظور المنهيُّ عنه. وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال : حدثنا عبدالرزاق قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن صفية قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته وقمت فانقلبت، فقام معي ليَقْلِبَني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" عَلَى رِسْلِكُمَا إِنّها صفِّيَةُ بِنْتُ حُيَيِّ " قالا : سبحان الله يا رسول الله ! قال :" إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْري مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَيْئاً أو قال : سُوءاً ".
وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا معاذ بن المثنى قال : حدثنا عبدالرّحمن قال : حدثنا وهيب قال : حدثنا ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إِيَّاكُمْ والظَّنَّ فإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ ". فهذا من الظنّ المحظور، وهو ظنه بالمسلم سوءاً من غير سبب يوجبه. وكل ظنّ فيما له سبيل إلى معرفته مما تُعُبِّدَ بعلمه فهو محظور، لأنه لما كان متعبِّداً تُعُبِّد بعلمه ونُصب له الدليل عليه فلم يتّبع الدليل وحصل على الظن كان تاركاً للمأمور به ؛ وأما ما لم يُنصب له عليه دليل يوصله إلى العلم به وقد تُعُبِّد بتنفيذ الحكم فيه فالاقتصار على غالب الظن وإجراء الحكم عليه واجب، وذلك نحو ما تَعَبَّدنا به من قبول شهادة العدول وتحرِّي القبلة وتقويم المستهلكات وأُروش الجنايات التي لم يَرِدْ بمقاديرها توقيف، فهذه وما كان من نظائرها قد تعبدنا فيها بتنفيذ أحكام غالب الظن.
وأما الظن المباح فالشَّكَّاك في الصلاة أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتحرِّي والعمل على ما يغلب في ظنه، فلو غلب ظنه كان مباحاً وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزاً، ونحوه ما رُوي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لعائشة : إني كنت نَحْلْتُكِ جداد عشرين وَسْقاً بالعالية وإنك لم تكوني حُزْتِيهِ ولا قبضتيه وإنما هو مال الوارث وإنما هما أخواك وأختاك، قال : فقلت : إنما هي أسماء ! فقال : ألقي في رُوعي أن ذا بطن خارجه جارية. فاستجاز هذا الظن لما وقع في قلبه.
وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل قال : حدثنا هشام بن عمار عن عبدالرّحمنِ بن سعد عن عبدالله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إِذا ظَنَنْتُمْ فلا تُحَقِّقُوا "، فهذا من الظنّ الذي يَعْرُضُ بقلب الإنسان في أخيه مما يوجب الريبة فلا ينبغي أن يحققه. وأما الظنُّ المندوب إليه فهو حسن الظن بالأخ المسلم، هو مندوب إليه مُثاب عليه. فإن قيل : إذا كان سوء الظن محظوراً فواجب أن يكون حسن الظنّ واجباً. قيل له : لا يجب ذلك لأن بينهما واسطة، وهو أن لا يظن به شيئاً فإذا أحسن الظن به فقد فعل مندوباً إليه.
قوله تعالى : وَلا تَجَسَّسُوا . حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود عن القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، ولا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا ".
وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب قال : أتى ابن مسعود فقيل : هذا فلان تقطر لحيته خمراً ! فقال عبدالله :" إنّا قد نُهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به ".
وعن مجاهد :" لا تَجَسَّسُوا خذوا بما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله ". فنهى الله في هذه الآيات عن سوء الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة والستر، ودلّ به على أنه يجب تكذيب من قذفه بالظن ؛ وقال تعالى : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين [ النور : ١٢ ] ؛ فإذا وجب تكذيب القاذف والأمر بحسن الظن فقد اقتضى ذلك النهي عن تحقيق المظنون وعن إظهاره.
ونَهَى عن التجسس بل أَمَر بالستر على أهل المعاصي ما لم يظهر منهم إصرار. حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال : حدثنا الفريابي عن إسرائيل عن الوليد قال أبو داود : ونسبه لنا زهير بن حرب عن حسين بن محمد عن إسرائيل في هذا الحديث قال الوليد بن أبي هشام عن زيد بن زائد عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يُبْلِغْني أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئاً، فإنّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ لَكُمْ ".
وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا عبدالله بن المبارك عن إبراهيم بن نشيط عن كعب بن علقمة عن أبي الهيثم عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَى مَوْءُودَةً ".
وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمُ لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ فإنّ الله في حَاجَتِهِ ومَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عَنْهُ بِهَا كُرْبةً مِنْ كَرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ ومَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ ". وجميع ما أمرنا الله به من ذلك يؤدّي إلى صلاح ذات البين، وفي صلاح ذات البين صلاح أمر الدنيا والدين، قال الله تعالى : فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم [ الأنفال : ١ ].
وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن العلاء قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرّة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله، قال :" إِصْلاحُ ذَاتِ البَيْنِ، وفَسَادُ ذَاتِ البَيْنِ الحَالِقَةُ ".
وقوله تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ؛ حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا القعنبي قال : حدثنا عبدالعزيز بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، أنه قيل : يا رسول الله ما الغيبة ؟ قال :" ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ "، قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال :" إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وإِنْ لم يَكُنْ فيه ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ ".
وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا سفيان عن علي بن الأقمر عن أبي حذيفة عن عائشة قالت : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفية كيت وكيت قال : غير مسدد تعني قصيرة فقال :" لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لو مُزِجَتْ بماءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ". قالت : وحكيت له إنساناً آخر فقال :" ما أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَاناً وَأَنَّ لي كَذَا وكَذَا ".
وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا الحسن بن علي قال : حدثنا عبدالرزاق عن ابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير أن عبدالرّحمن بن الصامت ابن عم أبي هريرة أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول : جاء الأسلميّ إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فشهد على نفسه أربع مرات أنه أصاب امرأة حراماً ؛ وذكر الحديث إلى قوله :" فما تُرِيدُ بهذا القَوْلِ ؟ " قال : أريد أن تطهرني ! فأمَرَ به فرُجم ؛ فسمع نبيّ الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه : انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تردعه نفسه حتى رُجمَ رَجْمَ الكلب ! فسكت عنهما، ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائلٍ برجله فقال :" أَيْنَ فُلانٌ وفُلانٌ ؟ " فقالا : نحن ذان يا رسول الله ! قال :" انْزِلا فَكُلا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الحِمَارِ ! " فقالا : يا نبي الله من يأكل من هذا ؟ قال :" فما نِلْتُما مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفاً أَشَدُّ مِنَ الأَكْلِ مِنْهُ، والّذي نَفْسي بِيَدِهِ إِنَّهُ الآنَ لَفي أَنْهَارِ الجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فيها ! ". وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا إبراهيم بن عبدالله قال : حدثنا يزيد بن مرة سنة ثلاث عشرة ومائتين قال : حدثنا ابن عون أن ناساً أتوا ابن سيرين فقالوا : إنا ننال منك فاجعلنا في حِلّ ! فقال : لا أُحِلُّ لكم ما حرَّم الله عليكم ؛ وروى الربيع بن صبيح أن رجلاً قال للحسن : يا أبا سعيد إني أرى أَمراً أكرهه ! قال : وما ذاك يا ابن أخي ؟ قال : أرى أقواماً يحضرون مجلسك يحفظون عليك سَقْطَ كلامك ثم يحكونك ويُعِيبُونَكَ، فقال : يا ابن أخي لا يَكْبُرَنَّ هذا عليك، أخبرك بما هو أعجب ؟ قال : وما ذاك يا عم ؟ قال :" أطمعت نفسي في جوار الرحمن وحلول الجِنَانِ والنجاة من النيران ومرافقة الأنبياء ولم أطمع نفسي في السلامة من الناس، إنه لو سلم من الناس أحد لسلم منهم خالقهم الذي خلقهم، فإذا لم يسلم خالقهم فالمخلوق أجدر أن لا يسلم ".
حدثنا عبدالباقي بن قانع قال : أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا داود بن المجبر قال : حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن قال : حدث

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير