هذه الجرائر «١» أن يذكروا بالفسق. وفي قوله بَعْدَ الْإِيمانِ ثلاثة أوجه: أحدها استقباح الجمع بين الايمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره، كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة «٢». والثاني: أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودى يا فاسق، فنهوا عنه، وقيل لهم: بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه، والجملة على هذا التفسير متعلقة بالنهى عن التنابز. والثالث: أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة: بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة.
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)
يقال: جنبه الشر إذا أبعده عنه، وحقيقته: جعله منه في جانب، فيعدى إلى مفعولين.
قال الله عز وجل وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ثم يقال في مطاوعه: اجتنب الشر فتقص المطاوعة مفعولا، والمأمور باجتنابه هو بعض الظن، وذلك البعض موصوف بالكثرة: ألا ترى إلى قوله إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ؟ فإن قلت: بين الفصل بين كَثِيراً، حيث جاء نكرة وبينه لو جاء معرفة. قلت: مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية، وإنّ في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تبيين لذلك ولا تعيين، لئلا يجترئ أحد على ظنّ إلا بعد نظر وتأمّل، وتمييز بين حقه وباطله بأمارة بينة، مع استشعار للتقوى والحذر، ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظنّ منوطا بما يكثر منه دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظنّ متصف بالكثرة مجتنبا، وما اتصف منه بالقلة مرخصا في تظننه. والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها: أنّ كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر: كان حراما واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون
(٢). قوله «بعد الكبرة الصبوة» الكبرة- بالفتح-: اسم للكبر في السن. والصبوة: الميل إلى الجهل والفتوة. أفاده الصحاح. (ع)
به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظنّ الفساد والخيانة به محرّم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء» «١» وعن الحسن: كنا في زمان الظن بالناس حرام، وأنت اليوم في زمان اعمل واسكت، وظنّ بالناس ما شئت.
وعنه: لا حرمة لفاجر. وعنه: إن الفاسق إذا أظهر فسقه وهتك ستره هتكه الله، وإذا استتر لم يظهر الله عليه لعله أن يتوب. وقد روى: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له «٢».
والإثم: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب. ومنه قيل لعقوبته: الأثام، فعال منه: كالنكال والعذاب والوبال. قال:
| لقد فعلت هذى النّوى بى فعلة | أصاب النّوى قبل الممات أثامها «٣» |
(٢). أخرجه البيهقي في الشعب في التاسع والستين والقضاعي في مسند الشهاب من طريق رواه بن الجراح عن أبى سعد الساعدي عن أنس وإسناده ضعيف. وأخرجه ابن عدى من رواية الربيع بن بدر عن أبان عن أنس وإسناده أضعف من الأول.
(٣). النوى: نية المسافر من قرب أو بعد، فهي مؤنثة، وتستعمل اسم جمع نية، فيذكر: أى لقد فعلت في هذه النية فعلة مسيئة، فهي بمعنى في، ثم دعا عليها بقوله: أصاب النوى التي أذتنى أثامها، أى: جزاء تلك الفعلة.
أو جزاء النوى التي تستحقه. وقد يسمى الذنب إثما وأثاما، من إطلاق المسبب على السبب، وقال قبل الممات، أى: قبل موته ليتشفى فيها، فكأنه شبهها بعدو، ثم دعا عليها.
ولو في جوف بيته «١». وعن زيد بن وهب: قلنا لا بن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة ابن أبى معيط تقطر لحيته خمرا؟ فقال ابن مسعود: إنا قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا شيء أخذنا به «٢». غابه واغتابه: كغاله واغتاله. والغيبة من الاغتياب، كالغيلة من «٣» الاغتيال:
وهي ذكر السوء في الغيبة. سئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: «أن تذكر أخاك بما يكره، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» «٤» وعن ابن عباس رضى الله عنهما: الغيبة إدام كلاب الناس أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه. وفيه مبالغات شتى: منها الاستفهام الذي معناه التقرير.
ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة. ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك. ومنها أن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخا. ومنها أن لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتا. وعن قتادة:
كما تكره إن وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، كذلك فاكره لحم أخيك وهو حى. وانتصب مَيْتاً على الحال من اللحم. ويجوز أن ينتصب عن الأخ. وقرئ: ميتا. ولما قرّرهم عز وجل بأنّ أحدا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله تعالى فَكَرِهْتُمُوهُ معناه: فقد كرهتموه واستقرّ ذلك. وفيه معنى الشرط، أى: إن صحّ هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة،
(٢). أخرجه أبو داود وابن أبى شيبة وعبد الرزاق والطبراني والبيهقي في الشعب في الثاني والخمسين من طرق عن الأعمش عن زيد بن وهب قال «أتى ابن مسعود قيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا» لفظ أبى داود والباقين نحوه. ورواه الحاكم والبزار من رواية أسباط عن الأعمش فقال فيه «إن رسول الله ﷺ نهانا عن التجسس» قال البزار تفرد به أسباط وقال ابن أبى حاتم عن أبى زرعة والترمذي عن البخاري: أخطأ فيه أسباط.
والصحيح من رواية أبى معاوية وغيره عن الأعمش «إن الله نهانا»
(٣). قوله «كالغيلة من الاغتيال» كذا في الصحاح. وفيه يقال: قتله غيلة، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فيقتله فيه. (ع)
(٤). متفق عليه من حديث أبى هريرة.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم