ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ

-وقوله تعالى :-ayah text-primary"> إن بعض الظن إثم :
قال بعضهم أي كذب ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " ١ وقال بعضهم إثم مأثم. وقد اختلف في معنى قوله : إن بعض الظن إثم هل ذلك وإن لم يتكلم بظنه أم إنما هو إذا تكلم به ؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما هو إذا تكلم به، قال لا يقدر على دفع الخواطر التي أشار إليها بقوله عليه الصلاة والسلام : " الحرام سوء الظن " ٢ وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " احترسوا في الناس بسوء الظن " ٣. وذهب بعضهم إلى حمل الآية على ظاهرها من سوء الظن وإن لم يتكلم به وعلى ذلك يأتي قول سلمان : إني لأعد عدان قدري مخافة سوء الظن. وكان أبو العالية ٤ يختم على بقية طعامه مخافة سوء الظن بخادمه. وقال ابن مسعود : الأمانة خير من الخاتم والخاتم خير من سوء الظن. ومن ذلك الحديث المشهور في الرجلين اللذين مرا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مع إحدى نسائه فدعاهما وأكلمهما بها وقال لهما : " خشيت أن تهلكا " ٥ ونحو ذلك.
وقوله تعالى : ولا تجسسوا :
معناه لا تبحثوا عن مخبئات أمور الناس. وقد قرئ ولا تحسسوا. واختلف في الفرق بين التحسس والتجسس. فمن الناس من لم يفرق بينهما ورآهما جميعا في الخير والشر، ومنهم من فرق بينهما فقال التجسس في الشر والتحسس في الخير. ومنهم من قال : التجسس ما كان من وراء والتحسس الدخول والاستعلام. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنهما جميعا فقال : " ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا " ٦.
وقد قال زيد بن وهب٧ : قيل لابن مسعود هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا. فقال : إنا نهينا عن التحسس فإن يظهر لنا أمر أخذناه منه٨.
وقوله تعالى : ولا يغتب بعضكم بعضا :
المعنى فيه لا يذكر أحد من صاحبه شيء يكرهه وهو فيه. وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : " الغيبة أن يذكر المؤمن بما يكره " قيل يا رسول الله وإن كان حقا ؟ قال : " إذا قلت باطلا فذلك البهتان " ٩ قال القرطبي : وقد قال قوم من السلف إن وصف الرجل غيره بما فيه من الصفة غيبة ١٠. قال معاوية بن قرة ١١ لو مر بك أقطع فقلت ذلك الأقطع كانت منك غيبة. وعن الحسن قال ألا تخافون أن يكون قولنا حميد الطويل غيبة ؟. وكان قتادة يكره أن يقول كعب الأحبار وسلمان الفارسي ولكن كعب المسلم وسلمان الإسلامي. وروي أن امرأة دخلت على عائشة فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنها قصيرة، فقال صلى الله عليه وسلم اغتبتها ١٢ وعن أبي هريرة أن رجلا قام عن النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا في قيامه عجزا فقالوا يا رسول الله ما أعجز فلانا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكلتم أخاكم واغتبتموه " ١٣. قال الطبري وإنما يكون ذلك غيبة إذا قاله على وجه الذم والغيبة للمقول فيه وهو له كفارة. وعن مثل هذا ورد النهي. وأما إذا قاله على وجه التعريف والتمييز كقولهم حميد الأرقط والأحنف بن قيس وكذلك النسبة إلى الأمهات كإسماعيل بن علية وأبو عائشة فإن ذلك بعيد في معنى الغيبة ١٤ ويشهد لصحة ما قاله الطبري قوله عليه الصلاة والسلام : " أصدق ذو اليدين " ١٥يعرفه لطول يديه، وقوله لأنس بن مالك : " يا ذا الأذنين " ١٦ وقد قال عبد الله بن مسعود وتقول أنت ذلك يا أعور، وقد سئل ابن المبارك ١٧ عن الرجل يقول حميد الطويل وسليمان الأعمش وحميد الأعوج ومروان الأصفر فقال إذا أراد صفته ولم يرد غيبته فلا بأس. وسئل ابن مهدي ١٨ عن ذلك فقال مثله قال وربما سمعت شعبة ١٩ يقول ليحيى بن سعيد٢٠ : يا أحول ما تقول، يا أحول ما ترى. وهذا كله في غيبة أهل الستر من المؤمنين. فأما من جاهر بالكبائر فالجمهور على إجازة اغتيابه دون استحباب لتركه لقوله عليه الصلاة والسلام : " على الفاجر تدعون، اذكروا الفاجر بما فيه حتى يعرف الناس إذا لم يذكروه " ٢١ ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في عيينة بن حصن : " بئس أخو العشيرة " ٢٢. وقد كف جماعة من العلماء عن اغتياب جميع الناس واختاروا ذلك لأنفسهم، منهم ابن المبارك وغيره. وقد سئل ابن وهب عن غيبة النصراني فقال لا لقوله تعالى : وقولوا للناس حسنا [ البقرة : ٨٣ ] وهو من الناس أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا.... الآية فجعل لهم هذا مثلا. وقد اعترض قوم فيما يفعله أهل الحديث من ذكر الرجل بما فيه فقالوا : كيف استجازوا هذا وهو من الغيبة وقد قال صلى الله عليه وسلم في الطيبين : " لولا غيبتهما لأعلمتكما أيهما أطيب " ٢٣ وأهل الحديث يقولون : فلان أعدل عن فلان، وفلان غير ثقة وفلان كذاب ونحو ذلك. والجواب عن هذا أن الضرورة أباحت ذلك للحاجة في أخذ الحديث عن العدول، فلو لم يذكروا بما فيهم لتسوهل ٢٤ في الأخذ عنهم فالتبس الصحيح بالسقيم ودخل في الشرع فساد عظيم. وكذلك أيضا التجريح، الأكثر على جوازه وأن الحاكم يمكن المشهود عليه من تجريح الشهود. وروى أشهب وابن نافع عن مالك في القوم يشهدون ويعدلون هل يقول القاضي للمشهود عليه دونك فجرح ؟ فقال إن فيها توهينا للشهادة ولا أرى إذا كان عدلا أو عدل عنده أن يفعل ذلك. قال بعض المتأخرين وهذه قولة لم يصحبها عمل. والمشهور الجواز للضرورة إلى ذلك وأن لا يمنع لكونه غيبة وقد قال صلى الله عليه وسلم فيمن استشير في نكاحه : " إنه صعلوك لا مال له " ٢٥ وقال في الآخر : " إنه لا يضع عصاه من عاتقه " ٢٦ ولم يرد بذلك غيبة لما كان مستشارا في النكاح ودعت الضرورة إليه. وقد احتج مسلم لما صنع أهل الحديث في ذكر الناس بأحوالهم بقوله عليه الصلاة والسلام : " أنزلوا الناس منازلهم " ٢٧ : وحاصل هذا كله أن الآية مخصصة. ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتا لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبته. وعندي أن في هذه الآية دليلا على أنه لا يجوز أكل لحم ابن آدم ميتا ٢٨ لمن اضطر إليه، وهو مذهب أصحاب مالك، خلافا للشافعي ومن أباحه للمضطر، لأنه تعالى ضرب به المثل في تحريم الغيبة ولم يضرب بالميتة سائر الحيوان فدل ذلك أنه في التحريم فوقها.
وقوله تعالى : فكرهتموه :
قيل معناه معنى الأمر أي فأكرهوه، ودل على ذلك قوله تعالى بعد ذلك : واتقوا الله وقيل كأنهم إذا قيل لهم : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا قالوا فخوطبوا على ذلك، فقيل لهم فكرهتموه . ويعد هذا الكلام مقدر تقديره فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك. وعلى هذا العطف قوله تعالى : واتقوا الله .

١ الحديث أخرجه مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، كتاب الجامع، باب: ما جاء في المهاجرة ٢/ ٢٤٤..
٢ الحديث ذكره ابن سعد في طبقاته عن عمر بن الخطاب ٢/ ١٧٧، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ٢٠٢. وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ١٨٦..
٣ الحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ١٦ وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ١٨٦..
٤ "أبو العالية" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
٥ الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٣٢٢..
٦ أخرجه مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، كتاب الجامع، باب: ما جاء في المهاجرة ٢/ ٢٤٤..
٧ زيد بن وهب: هو أبو سليمان زيد بن وهب الجهني الكوفي. روى عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم. انظر تهذيب التهذيب ٣/ ٤٢٧..
٨ راجع الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٣٣٣..
٩ الحديث أخرجه الترمذي في سننه عن أبي هريرة، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في الغيبة ٤/ ٣٢٩..
١٠ راجع جامع البيان ٢٦/ ٨٥..
١١ معاوية بن قرة: هو أبو إياس معاوية بن قرة وهو الذي مسح النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه. انظر طبقات ابن سعد ١/ ٤٧٠..
١٢ الحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان، باب: في تحريم أعراض الناس ٥/ ٣٠٣، والغزالي في الإحياء ٣/ ٣٤١..
١٣ الحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان، باب: في تحريم أعراض الناس ٥/ ٣٠٤..
١٤ راجع جامع البيان ٢٦/ ٨٥..
١٥ الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن أبان بن مخلد ١/ ١٠٥..
١٦ الحديث أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب: مناقب لأنس بن مالك ٥/ ٦٨١..
١٧ ابن المبارك: هو شيخ الإسلام، المجاهد، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك. توفي سنة ١٨١هـ/ ٧٩٧م، انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٢٥٣..
١٨ ابن مهدي: هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري البصري. فقيه تابعي. توفي سنة ١٩٨هـ/ ٧٦٦م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩١..
١٩ شعبة: هو شعبة بن الحجاج بن ورد الأزدي البصري. من أئمة رجال الحديث حفظا ودراسة وتثبيتا. توفي سنة ١٦٠هـ/ ٧٧٦م. انظر تهذيب التهذيب ٤/ ٣٣٨..
٢٠ يحيى بن سعيد: هو أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري. قاض من أكابر أهل الحديث. توفي سنة ١٤٣هـ/ ٧٦٠م..
٢١ الحديث أخرجه الطبراني وابن عدي والغزالي في الإحياء ٣/ ١٥٣..
٢٢ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب: ما يجوز من غياب أهل الفساد ٧/ ٨٦..
٢٣ الحديث: لم أقف عليه في كتب الحديث التي وقعت بين يدي..
٢٤ "لتسوهل" كلمة ساقطة في (هـ)..
٢٥ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاب، باب: المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ٢/ ١١١٤..
٢٦ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب: المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ٢/ ١١١٤..
٢٧ الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب: في رحم الصغير وتوقير الكبير ٧/ ٤٦٢..
٢٨ "لأن الميت... إلى: ميتا" كلام ساقط في (أ)، (هـ)، (ز)..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير