وبصورة مطلقة. وعبارتها إنما جاءت كما جاءت للمناسبات وحسب.
ولقد أثرت عن رسول الله ﷺ أحاديث عديدة متساوقة في التلقين مع تلقين الآية مع شيء من التوضيح نكتفي منها بما ورد في الكتب الخمسة، منها حديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان قال وإلّا رجعت عليه». وحديث رواه الشيخان عن أبي ذرّ قال «سمع النبيّ ﷺ يقول لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلّا ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك». وحديث رواه الشيخان والترمذي عن عبد الله عن النبي ﷺ «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».
وحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال «قال النبيّ ﷺ المستبّان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم». وحديث رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «اثنتان في الناس هما بهما كفر الطعن بالنسب والنياحة على الميّت». وحديث رواه الترمذي عن عبد الله قال «قال النبيّ ﷺ ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللّعّان ولا الفاحش ولا البذيء» وحديث رواه أبو داود عن عائشة قالت «اعتلّ بعير لصفية بنت حيي وعند زينب فضل ظهر فقال رسول الله ﷺ لزينب أعطها بعيرا فقالت أنا أعطي تلك اليهودية. فغضب النبيّ ﷺ وهجرها ذا الحجة والمحرّم وبعض صفر» وفي بعض الأحاديث التي أوردناها في الفقرة السابقة شيء متصل بهذه الآية ومنها الذي جاء فيه «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره».
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)
. (١) ولا تجسّسوا: ولا تبحثوا سرا عن عورات الناس وشؤونهم الخاصة لتطّلعوا على مخفياتهم.
عبارة الآية واضحة وفيها:
(١) أمر للمسلمين باجتناب الظنون والتخمينات والأخذ بها والحكم على الأمور بموجبها. فإنّ من الظنون ما هو خطأ يجرّ صاحبه إلى الإثم.
(٢) ونهي لهم عن البحث عن عورات بعضهم ومخفيات أمورهم وكشفها عن اغتياب بعضهم بعضا وذكره بالسوء في غيابه. وسؤال إنكاري على سبيل توكيد النهي عن الغيبة بخاصة عما إذا كان يحبّ أحدهم أن يأكل لحم أخيه ميتا. وتقرير لما هو طبيعي من كراهية ذلك.
(٣) وحثّ على تقوى الله ومراقبته والتوبة عن مثل هذه الأعمال البغيضة المكروهة المؤذية مع التنبيه على أن الله تعالى تواب يقبل توبة التائب ويشمله برحمته.
تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ إلخ وما فيها من تلقين وما روي في صددها من أحاديث
وقد روى المفسرون «١» أن الآية نزلت أثناء غزوة غزاها النبي. حيث ضمّ سلمان الفارسي إلى شخصين موسرين- وهذا من عادة النبي حينما يخرج إلى غزاة- ليخدمهما ويأكل معهما. فغلبته عيناه مرة فلم يجهز لهما طعاما فأرسلاه إلى النبي ﷺ فأرسله إلى أسامة بن زيد خازن المئونة فقال له ليس عندي شيء فأرسلاه إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فقالوا له لو أرسلناك إلى بئر سميحة لغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان على أسامة ليعلما إن كان عنده طعام ومنعه وأخذا يغمزان سلمان ويغتابان أسامة فلما جاءا إلى رسول الله قال لهما ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ قالا والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا لحما قال بل ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة فأنزل الله الآية.
ومع احتمال حدوث مناسبة مثل المناسبة المروية فإن الاتصال والتساوق والتجانس بينها وبين آيات السورة قائم. وما قلناه في صدد سابقاتها من كون المناسبات قد حدثت قبل نزول السورة، فكانت وسيلة لما احتوته من تأديب وتعليم يقال هنا أيضا.
ولقد استهدفت الآية تنبيه المسلمين إلى وجوب رعاية حقوق بعضهم وأعراضهم في الغياب وتغليب حسن الظن في بعضهم وكبت غريزة الاستطلاع والتجسس على أسرار بعضهم ومخفياتهم. وتلقينها عام مستمر المدى كسابقاتها.
وتعبير أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً تعبير قوي لاذع بسبيل تعظيم إثم غيبة الناس واستنكارها.
وهكذا تتكامل سلسلة التأديبات الرفيعة ليكون المسلمون بها مثال مكارم الأخلاق منزهين عن سيئاتها ومكروهاتها الخاصة والعامة.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآية أحاديث نبوية عديدة قوية التلقين والعظة في صدد منهياتها. منها حديث أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال «رأيت النبي ﷺ يطوف بالكعبة ويقول ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك. والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك ماله ودمه وأن يظنّ به إلّا خيرا» «١» وحديث رواه البخاري وأبو داود جاء فيه «إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» «٢». وحديث رواه أبو داود عن معاوية قال «سمعت رسول الله ﷺ يقول إنك إن اتبعت عورات الناس
(٢) المصدر نفسه.
أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» «١». وحديث رواه أبو داود عن أبي برزة الأسلمي جاء فيه «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنّه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتّبع الله عورته يفضحه في بيته» «٢». وحديث أخرجه الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال «كنّا مع النبي ﷺ فارتفعت ريح جيفة منتنة فقال رسول الله أتدرون ما هذه الريح. هذه ريح الذين يغتابون الناس» «٣». وحديث أخرجه الإمام أحمد كذلك عن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال «قال النبي ﷺ من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله إليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنّم، ومن رمى مؤمنا بشيء يريد سبّه حبسه الله تعالى على جسر جهنّم حتى يخرج مما قال» «٤» وحديث رواه أبو داود عن جابر ابن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري قال «سمعنا رسول الله ﷺ يقول ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلّا خذله الله تعالى في مواطن يحبّ فيها نصرته. وما من امرئ ينصر امرأ مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلّا نصره الله عزّ وجلّ في مواطن يحبّ فيها نصرته» «٥» وفي الحديثين الأخيرين إيجاب على كل مسلم أن يدافع عن أخيه المسلم إذا ما ذكر في مجلس سوء.
وهذه طائفة من أحاديث نبوية أخرى في صور من الاغتياب المكروهة التي نبّه رسول الله عليها وندّد بها ونهى عنها. منها أحاديث رواها الطبري بطرقه وهو من أئمة الحديث ومن ذلك حديث عن أبي هريرة جاء فيه «إنّ رجلا قام عند رسول الله ﷺ فرأوا في قيامه عجزا فقالوا ما أعجز فلانا فقال رسول الله أكلتم لحم
(٢) المصدر نفسه.
(٣) النص من ابن كثير أيضا. وقد أورد ابن كثير هذا الحديث بطريق أخرى مع خلاف يسير في العبارة.
(٤) النصوص من ابن كثير أيضا، وقد أورد ابن كثير الحديث الأول من طريق أخرى بصيغة أخرى.
(٥) المصدر نفسه.
أخيكم واغتبتموه». وحديث عن معاذ بن جبل قال «كنّا عند رسول الله فذكر القوم رجلا فقالوا ما يأكل إلّا ما أطعم وما يرحل إلا ما يرحل له وما أضعفه فقال رسول الله اغتبتم أخاكم. فقالوا يا رسول الله وغيبته أن نحدث ما فيه فقال بحسبكم أن تحدّثوا عن أخيكم بما فيه» وحديث عن أبي هريرة قال «قال رسول الله ﷺ إذا ذكرت أخاك بما يكره فإن كان فيه ما تقول فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه» «١». وحديث عن حسان بن المخارق جاء فيه «إن امرأة دخلت على عائشة فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بعدها إلى النبي ﷺ أي أنها قصيرة فقال رسول الله اغتبتها» «٢». وحديث رواه البغوي بطرقه عن أنس عن رسول الله ﷺ قال «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم ولحومهم فقلت من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» «٣».
وهناك حديث يرويه أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حقّ، ومن الكبائر السّبّتان بالسّبة» «٤» وفي الأحاديث تعليم وتأديب نبويان واجبا الالتزام.
هذا، وهناك حديث صحيح استنبط منه العلماء جواز غيبة الفاسق. وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عائشة قالت «استأذن رجل على النبيّ ﷺ فقال ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة. فلما دخل ألان له الكلام. قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام، قال أي عائشة إن شرّ الناس من
(٢) روى أبو داود والترمذي حديثا مقاربا بصيغة أخرى عن عائشة قالت «قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا يعني قصيرة. فقال قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) التاج ج ٥ ص ٢٤.
(٣) روى هذا الحديث أبو داود أيضا انظر التاج ج ٥ ص ٢٥.
(٤) التاج ج ٥ ص ٢٤.
تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه» «١».
وهناك حديثان نبويان فيهما صورة لأخلاق رسول الله متصلة بالموضوع الذي نحن فيه رواهما أبو داود والترمذي أحدهما عن عبد الله عن النبي ﷺ قال «لا يبلّغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا فإني أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» «٢» وثانيهما عن عائشة قالت «حكيت للنبي إنسانا فقال ما أحبّ أني حكيت إنسانا وأنّ لي كذا وكذا» «٣» حيث ينطوي فيهما تأديب نبوي للمسلمين أيضا الذين أمروا بأن يكون لهم رسول الله الأسوة الحسنة.
ولقد شرحنا كلمة وَلا تَجَسَّسُوا بما شرحناه لأن هذا هو ما يلهمه مقامها والأحاديث التي أوردناها في صددها. ومن المعلوم أن هناك عملا آخر من أعمال التجسس وهو التجسس على الأعداء والتجسس لهم. والأول مبرّر. وهناك حديث رواه أبو داود عن أنس في هذا جاء فيه «بعث النبيّ ﷺ بسيسة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان» «٤» وحديث آخر رواه الشيخان والترمذي عن جابر قال «قال النبيّ ﷺ يوم الأحزاب من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير أنا. قالها ثلاثا ويجيبه الزبير. فقال النبيّ لكلّ نبيّ حواريّ وحواريّي الزبير» «٥». والثاني جريمة قد تكون ارتدادا لأن فيها توليا ونصرة للأعداء ومتولي الأعداء وناصرهم على المسلمين منهم وليس من الله في شيء كما جاء في آية سورة آل عمران هذه لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [٢٨] وآية سورة المائدة هذه وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ «٦».
(٢) التاج ج ٥ ص ٢٤.
(٣) المصدر السابق نفسه. والمتبادر أن كلمة (حكيت) بمعنى قلدت ذلك الإنسان في عمله أو قوله ويكون ذلك القول أو العمل غير مستحب أو مثيرا للسخرية. وهذا من مألوفات ما يفعله الناس.
(٤) التاج ج ٤ ص ٣٦١.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) هذه الآية في سلسلة فيها نهي عن اتخاذ الذين يتخذون دين المسلمين هزوا من أهل الكتاب والمشركين حيث يكونون بذلك أعداء للمسلمين. وفي السلسلة نعت الذين يفعلون ذلك بالارتداد أيضا. [.....]
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة