قوله ( تعالى١ ) : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ يجوز في قوله : أَنْ أَسْلَمُوا وجهان :
أحدهما : أنه مفعول به لأنّه ضمن يمنون معنى يُعِيدُونَ كأنه قيل : يعيدون عليك إسلامهم مانِّين به عليك ولهذا صرح بالمفعول به في قوله : قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ أي لا تُعيدوا عليَّ إسلامكم. كذا استدل أبو حَيَّان٢.
وفيه نظر، إذ لقائل أن يقول : لا نسلم انتصاب «إِسْلاَمَكُمْ » على المفعول به، بل يجوز فيه المفعول من أجله كما يجوز في محل «أَنْ أَسْلَمُوا » وهو الوجه الثاني٣ فيه أي يمنون عليك لأجل أن أَسْلَمُوا فكذلك في قوله : لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ ، وشروط النصب موجودة والمفعول له متى كان مضافاً اسْتَوَى جرّه بالحرف ونصبه.
قوله : بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ يعني لا مِنَّةَ لَكُمْ عَلَيْنَا أَصْلاً، بل المنة عليكم حيث بينْتُ لكم الطرق المستقيم.
قوله : أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ أعرابه كقوله :«أن أَسْلَمُوا »٤. وقرأ زيد بن علي : إِذْ هَدَاكُمْ٥ بِإِذْ مَكَانَ «أنْ » وهي في مصحف عبد الله كذلك. وهي تفيد التعليل، وجواب الشرط مقدر أي فَهُوَ المَانُّ عليكم لا أَنتم٦ عَلَيْه وعَلَيَّ.
فإن قيل : كيف مَنَّ عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه تبين أنهم لم يؤمنوا ؟.
فالجواب من ثلاث أوجه :
أحدها : أنه تعالى لم يقل : بل الله يمن عليكم أن رزقكم الإيمانَ بلْ قال : أنْ هَدَاكُمْ للإِيمان.
وثانيها : أنَّ إرسال الرسول بالآيات البينات هدايةٌ.
ثالثها : أنه تعالى يمنُّ عليهم بما زعموا فكأنه قال : أنتم قلتم آمنا فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار فقال : هداكم في زعمكم، و لهذا قال تعالى : إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ. . . الآية ؛ وهذا تقرير لأول السورة حيث قال :«إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَليمٌ »، فأخبر ههنا عن علمه وبصره٧.
٢ قال: "فأن أسلموا في موضع المفعول ولذلك تعدى إليه في قوله: قل لا تمنوا علي إسلامكم"..
٣ وقد ذكره أيضا أبو حيان قال: "ويجوز أن يكون": "أن أسلموا" مفعولا من أجله أي يتفضلون عليكم بإسلامهم أن هواكم"..
٤ من المفعول به والمفعول لأجله..
٥ وهي شاذة وانظر البحر المحيط ٨/١١٨ والكشاف ٣/٥٧٢. ومختصر ابن خالويه ١٤٤..
٦ كذا قدر أبو حيان في بحره المحيط السابق. وقدر الزمخشري: "إن كنتم صادقين في ادعائكم بالإيمان فلله المنة عليكم". وانظر الكشاف ٣/٥٧٢..
٧ بالمعنى من تفسير الإمام ٢٨/١٤٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود