تفسير المفردات : يمنون عليك : أي يذكرون ذلك ذكر من اصطنع لك صنيعة، وأسدى إليك نعمة.
المعنى الجملي : بعد أن حث الناس على التقوى – وبخ من في إيمانه ضعف من الأعراب الذين أظهروا الإسلام وقلوبهم وغلة، لأنهم كانوا يريدون المغانم وعرض الدنيا، إذ جاؤوا في سنة مجدبة، وكانوا يقولون لرسوله صلى الله عليه وسلم : جئناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، يريدون بذكر ذلك الصدقة والمن على النبي صلى الله عليه وسلم، فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم، وأنهم لم يؤمنوا إيمانا حقيقيا، وهو الذي وافق القلب فيه اللسان، وأمرهم أن يقولوا : استسلمنا وخضعنا، ثم أخبرهم بأنهم إن اتقوا الله حق تقاته وفاهم أجورهم كاملة غير منقوصة، ثم بين أن من علامة الإيمان الكامل التضحية بالنفس والمال في سبيل الله ببذلهما في تقوية دعائم الدين وإعلاء شأنه وخضد شوكة العدو بكل السبل الممكنة، ثم أعقب هذا بأن الله يعلم ما هم عليه من إيمان ضعيف أو قوي ؛ إذ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأنه لا ينبغي للمؤمن أن يمتن على الرسول بإيمانه، بل من حق الرسول أن يمتن عليه بأن وفق للهداية على يديه إن كان صادق الإيمان. ثم ختم الآيات بالإخبار عن واسع علمه، وإحاطته بمكنون سر خلقه في السماوات والأرض لا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، وهو البصير بما يعمل عباده من خير أو شر، قال مجاهد : نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة ( وكانوا يجاورون المدينة ) قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين حقا.
وقال السدي : نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح : أعراب مزينة وجهينة وأسلم وغفار والديل وأشجع، قالوا : آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى المدينة تخلفوا.
الإيضاح : يمنون عليك أن أسلموا أي يعدون إسلامهم ومتابعتهم لك ونصرتهم إياك منة يطلبون منك أجرها، فقد قالوا جئناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان.
ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما يقوله لهم عند المن عليه بما يدعونه من الإسلام فقال :
قل لا تمنوا علي إسلامكم أي لا تعدوا إسلامكم الذي سميتموه إيمانا منة علي، فإن الإسلام هو المنة التي لا يطلب موليها ثوابا لمن أنعم بها عليه، ومن ثم قال :
بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين أي بل الله هو الذي يمن عليكم، إذ أمدكم بتوفيقه وهدايته للإيمان إن كنتم صادقين في إيمانكم.
وفي هذا إيماء إلى أنهم كاذبون في ادعائهم الإيمان.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار يوم حنين :( يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ؟ وعالة فأغناكم الله ؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ ) قالوا : بلى، الله ورسوله أمن وأفضل.
والخلاصة : إن الله تعالى سمى ما كان منهم إسلاما وخضوعا لا إيمانا إظهارا لكذبهم في قولهم آمنا، ثم لما منوا على رسول الله بما كان منهم قال سبحانه لرسوله : أيعتدون عليك بما ليس جديرا أن يعتد به من إسلامهم الذي سموه إيمانا وليس بذاك ؟ بل الله هو الذي يعتد عليهم إيمانهم إن صدقوا، فهو قد أمدهم بهديه وتوفيقه. ثم أعاد الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات فقال :
تفسير المراغي
المراغي