أصول الإيمان الصحيح
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١٤ الى ١٨]
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)
الإعراب:
لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً يَلِتْكُمْ: من لات يليت، مثل باع يبيع، وقرئ:
لا يألتكم، من ألت يألت، والقراءتان بمعنى واحد، يقال: لات يليت، وألت يألت: إذا نقصه.
لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ منصوب بنزع الخافض أي بإسلامكم، أو يضمن الفعل معنى الاعتداد.
البلاغة:
آمَنَّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا بينهما طباق السلب.
أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ؟ استفهام إنكاري للتوبيخ.
المفردات اللغوية:
الْأَعْرابُ سكان البادية. آمَنَّا صدّقنا بما جئت به من الشرائع، وامتثلنا الأوامر، والإيمان: التصديق بالقلب مع الثقة والطمأنينة. أَسْلَمْنا انقدنا ظاهرا، والإسلام: الاستسلام والانقياد الظاهري وإظهار الشهادتين وترك المحاربة. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ لم يدخل الإيمان في قلوبكم إلى الآن، لكنه يتوقع منكم. وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ بالإخلاص وترك النفاق.
لا يَلِتْكُمْ لا ينقصكم. مِنْ أَعْمالِكُمْ من ثواب أعمالكم. وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما فرط من المؤمنين. رَحِيمٌ بالتفضل عليهم.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الصادقو الإيمان، بدليل ما بعده. لَمْ يَرْتابُوا لم يشكّوا في شيء من الإيمان. وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في طاعة اللَّه ورضوانه. أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ هم الذين صدقوا في إيمانهم، لا من قالوا: آمنا ولم تؤمن قلوبهم، ولم يوجد منهم غير الإسلام الظاهري.
أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ؟ أتخبرونه بقولكم: آمنا؟. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ..
لا يخفى عليه خافية، وهو تجهيل لهم وتوبيخ. يَمُنُّونَ يمتنون ويعدون إسلامهم عليك منّة ونعمة مسداة لك. لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ أي لا تمتنوا علي بإسلامكم. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ أي بحسب زعمكم، علما بأن الهداية لا تستلزم الاهتداء. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ادعاء الإيمان، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي فلله المنة والفضل عليكم.
غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ما غاب فيهما. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ في سركم وعلانيتكم، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم؟.
سبب النزول: نزول الآية (١٤) :
قالَتِ الْأَعْرابُ: نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، قدموا المدينة في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وكانوا يقولون لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه، فأنزل اللَّه تعالى فيهم هذه الآية «١».
وقال السّدّي: نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح: أعراب مزينة وجهينة وأسلم وغفار والدّيل وأشجع، قالوا: آمنّا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى المدينة تخلّفوا «١».
المناسبة:
بعد أن حث اللَّه تعالى على التقوى، قالت الأعراب: لنا النسب الشريف، فلنا الشرف، فذمّهم اللَّه تعالى، وأبان ضعف إيمانهم، وحدد أصول الإيمان الصحيح: وهي التصديق بالله ورسوله، والإخلاص في القلب، والجهاد بالنفس والمال في سبيل اللَّه وطاعته وإعلاء دينه، وأخبر بأن اللَّه يعلم ما في السرائر والعلانية، فيعلم ما هم عليه من ضعف الإيمان وقوته، وأفاد بأنه لا ينبغي لمؤمن أن يمتن على الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم بإيمانه، بل اللَّه يمن عليه بتوفيقه للهداية على يد رسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم.
التفسير والبيان:
قالَتِ الْأَعْرابُ: آمَنَّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ أي قالت جماعة من سكان البادية وهم بنو أسد أول ما دخلوا الإسلام مدعين لأنفسهم مقام الإيمان: صدقنا بالله ورسوله وتمكن الإيمان في قلوبنا، فرد اللَّه تعالى عليهم مبينا لهم أنهم لم يؤمنوا الإيمان الكامل، ولم يصدقوا تصديقا صحيحا عن اعتقاد قلب وخلوص نية وطمأنينة وثقة تامة بالله عز وجل، وأمرهم بأن يقولوا: انقدنا لك يا رسول اللَّه واستسلمنا، وسالمناك فلا نحاربك. وأعلمهم بأنه لن يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد، بل كان مجرد قول باللسان، دون اعتقاد صحيح ولا نية خالصة، لذا جاء النفي ب لَمَّا حرف الجزم الدال على انتفاء الشيء إلى زمان الإخبار. وقوله: لَمْ تُؤْمِنُوا لا يراد به انتفاء الإيمان في الزمن الماضي، بل متصلا بزمان الإخبار أيضا.
وقد دلت الآية الكريمة على أن الإيمان أخص من الإسلام، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل عليه السلام حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص، فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب، فهو تصديق القلب مع الطمأنينة والثقة باللَّه، والإسلام أعم، فهو مجرد نطق باللسان بالشهادتين وإظهار الانقياد والخضوع لما جاء به النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم.
وهذا لا يمنع أن المؤمن والمسلم واحد عند بعض أهل السنة «١»، بدليل قوله تعالى عن لوط عليه السلام ومن آمن معه: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات ٥١/ ٣٥- ٣٦].
ثم حرضهم اللَّه تعالى على الإيمان الصادق بقوله:
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي وإن تطيعوا اللَّه ورسوله إطاعة تامة، وتخلصوا العمل وتصدقوا تصديقا صحيحا، لا ينقصكم من أجور أعمالكم شيئا، فلا تضيعوا أعمالكم بعدم الإخلاص، واللَّه تعالى غفور ستار لمن تاب إليه وأناب وأخلص العمل، رحيم به فلا يعذبه بعد التوبة. وفيه حث على التوبة من الأعمال السالفة، وتسلية لقلوب من تأخر إيمانه، فالله تعالى يغفر لكم في كل وقت ما قد سلف، ويرحمكم بما أتيتم به.
ونظير الآية: وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور ٥٢/ ٢١].
ثم أبان اللَّه تعالى صفات المؤمنين وحقيقة الإيمان بقوله:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي إنما المؤمنون إيمانا صحيحا خالصا وهم المؤمنون الكمّل هم الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم تصديقا
تاما بالقلب، وإقرارا باللسان، ثم لم يشكّوا ولم يتزلزلوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض، وجاهدوا بالأموال والأنفس حق الجهاد، من أجل طاعة اللَّه وابتغاء مرضاته، قاصدين بجهادهم إعلاء كلمة اللَّه ودينه، أولئك المتصفون بهذه الصفات المذكورة هم الصادقون بالاتصاف بصفة الإيمان، والدخول في عداد المؤمنين، لا كبعض الأعراب الذين أظهروا الإسلام، ولم يطمئن الإيمان في قلوبهم.
روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه قال: إن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللَّه، والذي يأمنه الناس على أموالهم بأنفسهم، والذي إذا أشرف على طمع تركه اللَّه عز وجل».
ثم عرفهم اللَّه تعالى بأنه عالم بحقيقة أمرهم قائلا:
قُلْ: أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ؟ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ قل لهم أيها الرسول: أتخبرون اللَّه بما في ضمائركم من الدين، ليعلم بذلك حيث قلتم: آمنا؟ واللَّه عالم لا يخفى عليه شيء، يعلم كل ما في السموات وما في الأرض من جمادات ونباتات وحيوانات وإنس وجن، فكيف يجهل حقيقة ما تدّعونه من الإيمان؟ واللَّه لا تخفى عليه خافية من ذلك، يعلم بكل شيء، فاحذروا أن تدّعوا شيئا خلاف ما في قلوبكم.
وفيه إشارة إلى أن الدين ينبغي أن يكون للَّه، وأنتم أظهرتموه لنا، لا لله، فلا يقبل ذلك منكم.
ثم أوضح اللَّه تعالى أن إسلامهم لم يكن لله، فقال:
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا أي يعدّون إسلامهم منّة ونعمة عليك أيها
النبي، حيث قالوا: جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. فرد اللَّه تعالى عليهم قائلا:
قُلْ: لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي قل أيها الرسول: لا تعدوا أيها الأعراب إسلامكم منّة علي، فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه، فهو سبحانه الذي يمن عليكم، إذ أرشدكم إلى الإيمان وأراكم طريقه، ووفقكم لقبول الدين، إن كنتم صادقين فيما تدعونه. وفي هذا إيماء إلى أنهم كاذبون في ادعائهم الإيمان.
وذلك كما
قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم للأنصار يوم حنين: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلّالا، فهداكم اللَّه بي؟ وكنتم متفرقين فألّفكم اللَّه بي؟ وكنتم عالة فأغناكم اللَّه بي؟ قالوا: بلى، اللَّه ورسوله أمنّ وأفضل».
ثم أكد اللَّه تعالى علمه بكل شيء، فقال:
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي إن اللَّه عليم بما ظهر وما غاب في جميع أنحاء السموات والأرض، ومن جملة ذلك:
ما يسّره كل إنسان في نفسه، واللَّه مطّلع على كل شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم بالخير خيرا، وبالشر شرا. والآية تكرار وتأكيد الإخبار بعلم اللَّه بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات، ليترسخ ذلك في الأذهان، ويستقر في أعماق القلوب، ويتمثل دائما في النفوس.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- موضوع الآيات توبيخ من في إيمانه ضعف بعد الآيات السابقة التي فيها حث عموم الناس على تقوى اللَّه تعالى.
فلا يكفي الإسلام الظاهري، وإنما لا بد من الإيمان والإذعان القلبي، ولا يكفي الإسلام اللغوي، وهو الخضوع والانقياد خوفا من القتل، ودخولا في زمرة أهل الإيمان والسلم.
٢- إن أخلص الناس الإيمان لله تعالى وفّر لهم ثوابا عظيما لأعمالهم، ولم ينقصهم شيئا من أجورهم.
٣- لا حرج على من تأخر إيمانه، فالله سبحانه غفار لذنوب عباده كلها بمشيئته، رحيم بهم فلا يعذبهم بعد التوبة.
٤- إن عناصر الإيمان الجوهرية في الآية: هي الإيمان بالله وحده لا شريك له، والإيمان بأن محمدا رسول اللَّه وخاتم الأنبياء والرسل، وعدم الارتياب في شيء، بل لا بد من عقيدة ثابتة ويقين كامل لا يتزعزع أبدا، والجهاد في سبيل اللَّه بالأموال والأنفس محكّ الإيمان ودليله، والمؤمنون هم الذين صدّقوا ولم يشكّوا وحققوا ذلك بالجهاد والأعمال الصالحة، وهم الذين صدقوا في إيمانهم، لا من أسلم خوف القتل ورجاء الكسب.
ويجب أن يكون الجهاد من أجل نصرة دين اللَّه والدعوة إلى سبيله، أو لاسترداد الحقوق المغتصبة والبلاد المحتلة، لذا
قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري: «من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه» وقال تعالى في الدفاع عن البلاد: وَقِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا [آل عمران ٣/ ١٦٧].
٥- لا حاجة لإعلام اللَّه تعالى بأن الإنسان مؤمن، فهو سبحانه يعلم بالدين الذي يكون الناس عليه، ويعلم كل شيء في الكون، والآية تجهيل لهم في قوله:
أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ؟.
٦- إن نفع الإيمان يعود للمؤمن نفسه، فلا يصح لأحد أن يمتن بإسلامه على
أحد، بل المنة والفضل والنعمة لله عز وجل الذي وفق عباده للإيمان، وأرشدهم إليه ودلّهم عليه.
والصادقون هم الذين يعترفون بهداية اللَّه لهم، والهداية هنا بمعنى الدلالة.
وقوله: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ تعريض بأن الأعراب سبب النزول كاذبون، ولهذا قال تعالى: قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا وذلك تأديب لهم.
٧- ظاهر الآية يدل على أن أولئك الأعراب لم يكونوا مؤمنين إيمانا صحيحا، بل كانوا مسلمين إسلاما ظاهريا، والإيمان أخص، والإسلام أعم، كما تقدم، ولم يكونوا منافقين، فلو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا كما فعل اللَّه تعالى في سورة براءة.
٨- إن اللَّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن ذلك ما في الضمائر والقلوب، فهو تعالى يعلم الإيمان الحقيقي من الإيمان الكاذب، ويعلم المقاصد والغايات، والمخاوف والأطماع، والبواعث التي تدفع إلى الدخول في الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة قمكيّة، وهي خمس وأربعون آية.
تسميتها:
سميت سورة ق تسمية لها بما افتتحت به من أحرف الهجاء، كقوله تعالى: ص، ن، الم، حم، طس قال الشعبي:
ق: فاتحة السورة.
مناسبتها لما قبلها:
أخبر اللَّه تعالى في آخر سورة الحجرات المتقدمة أن أولئك الأعراب الذين قالوا: آمنا، لم يكن إيمانهم حقا، وذلك دليل على إنكار النبوة وإنكار البعث، فافتتح هذه السورة بوصف إنكار المشركين نبوة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وإنكار البعث، ثم رد عليهم بالدليل القاطع.
ما اشتملت عليه السورة:
بما أن هذه السورة مكية بالإجماع، فموضوعها مثل موضوعات سائر السور المكية التي تعالج أصول العقيدة الإسلامية وهي التوحيد، والبعث، والنبوة والرسالة، ولكنها عنيت بالأصل الثاني وهو البعث وإثباته والرد على منكريه.
لذا ابتدأت بالكلام عن إنكار مشركي العرب وقريش أمر البعث والنشور، وأمر النبوة ورسالة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، وتعجبهم من إرسال رسول منذر منهم، ومن صفحة رقم 275
إعادة الحياة بعد الممات، فأقسم اللَّه بالقرآن المجيد قائلا: ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقالَ الْكافِرُونَ: هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً، ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ...
ومن أجل الاستدلال على قدرة اللَّه الباهرة على البعث وغيره، حثّت الآيات بعدئذ على التأمل في صفحة الكون، والنظر في السماء وبنائها وزينتها، وفي الأرض وجبالها وزروعها ونباتاتها وأمطارها: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ..
الآيات.
ثم أثارت دواعي التفكر وأقامت العبر والعظات في إهلاك الأمم السابقة المكذبة بالرسل، كقوم نوح وأصحاب الرسّ وثمود وعاد وفرعون ولوط وأصحاب الأيكة قوم شعيب وقوم تبّع، تحذيرا لكفار مكة أن يصيبهم مثلما أصاب غيرهم: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ.. الآيات.
وانتقلت الآيات للحديث عن الإنسان ومسئوليته وملازمة الملكين له لرصد أعماله وأقواله ومراقبة أحواله، وطيّ صحيفته بسكرة الموت، وتعرضه لأهوال الحشر وأهوال الحساب: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ.. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الآيات، وأعقبت كل ذلك بضرورة العبرة والتذكر بتلك الأحداث الكبرى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى...
وختمت السورة الكريمة بمشاهد عظيمة، من خلق السموات والأرض وما بينهما، وسماع صيحة الحق للخروج من القبور، وتشقق الأرض عن الأموات سراعا، وتخلل ذلك أمر الرسول وأتباعه بالصبر والتسبيح آناء الليل وأطراف النهار، وعدم المبالاة بإنكار المشركين البعث وتهديدهم عليه، والتذكير بالقرآن من وعيد اللَّه وعقابه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ.. وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ.. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ.. الآيات.
فضل السورة:
تقرأ هذه السورة في الأحداث الكبرى والمجامع العامة، كالجمع والعيدين، لتذكير الناس ببدء الخلق، ومظاهر الحياة، وعقوبات الدنيا، والبعث والنشور، والجنة والنار، والثواب والعقاب.
وأدلة سنّية قراءتها في تلك المناسبات أحاديث، منها حديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يقرأ في الفجر ب ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وكانت صلاته بعد تخفيفا.
وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي وابن ماجه عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان، قالت: ما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلا عن لسان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر، إذا خطب الناس.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه، أنه سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في الأضحى والفطر؟
فقال: كان يقرأ فيهما ب ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ واقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
والسبب أن العيد يوم الزينة والفرح، فينبغي ألا ينسى الإنسان خروجه إلى ساحات الحساب، فلا يكون فرحا فخورا، ولا فاسقا فاجرا، فيتذكر بالقرآن كما في بداية السورة: ق وَالْقُرْآنِ ونهايتها: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ويتأمل في قوله تعالى: ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ وقوله تعالى:
كَذلِكَ الْخُرُوجُ وقوله سبحانه: ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ.
أوجه الشبه بين سورة ق وسورة ص:
لاحظ العلماء وجهي شبه بين سورتي ص وق وهما «١» :
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي