ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) قرأ الجمهور من التبين وقرىء فتثبتوا من التثبت، والمراد من التبين التعرف والتفحص ومن التثبت الإفادة وعدم العجلة، والتبصر بالأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر، وفي تنكير الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء كأنه قال: أي فاسق جاءكم بأي نبأ فتوقفوا فيه، وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا على قول الفساق لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه والفسوق الخروج من الشيء يقال فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه فقست البيضة إذا كسرتها، وأخرجت ما فيها من بياضها وصفرتها؛ ومن مقلوبه أيضاًً فقست الشيء إذا أخرجته من يد مالكه مغتصباً له، عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر قال المفسرون إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما سيأتي بيانه.
(أن) أي كراهة أن أو لئلا (تصيبوا) بالقتل والأسر (قوماً بجهالة) لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه هو الغالب، وهو جهالة،

صفحة رقم 136

لأنه لم يصدر عن علم والمعنى متلبسين بجهالة بحالهم (فتصبحوا على ما فعلتم) بهم من إصابتهم بالخطأ (نادمين) على ذلك مغتمين له، مهتمين به، وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد العدل، لأنا لو توقفنا في خبره لسوينا بينه وبين الفاسق، ولخلا التخصيص به عن الفائدة.
عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: " قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه، وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله رسولاً إبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت فظن الحارث أن قد حدث فيه سخط من الله ورسوله، فدعا سروات قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ وقت لي وقتاً يرسل إليّ رسوله، ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: منعت

صفحة رقم 137

الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا رآني وما أقبلت إلا حين احتبس عليّ رسول الله ﷺ خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله فنزلت (يا أيها الذين آمنوا) إلى قوله: (حكيم) " (١) أخرجه أحمد وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده وابن مردويه، قال السيوطي: بسند جيد قال ابن كثير هذا من أحسن ما روي في سبب نزول الآية.
وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول الآية، وأنه المراد بها وإن اختلفت القصص ثم وعظهم الله سبحانه فقال:
_________
(١) رواه أحمد.

صفحة رقم 138

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية