والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم
بين الله سبحانه وتعالى غذاء الأبدان بطيب الأطعمة وغذاء الأرواح بالصلاة، فذكر مقوماتها ثم ذكر سبحانه وتعالى التكليفات الشرعية التي هي بناء الجماعات الإنسانية، وأنها ميثاق الله تعالى واثق به عباده، فوعدهم بالثواب عليه، وتعهدوا موثقين العهد بالسمع والطاعة، والاستجابة لما كلفوا القيام به، ثم بين سبحانه وتعالى أن أساس العلاقات الإنسانية العامة العدالة، وليس الحب والبغض : فإنهما يسيران أحيانا وراء الهوى، والهوى فساد والعدالة صلاح، وهي التقوى وما يقرب إليها ويدني منها، وفي الآية الآتية وما يليها بين سبحانه جزاء المهتدين وعقاب الكافرين وهو الوعد الذي وعد به عباده، ويبين سبحانه أنه لا يصح أن تؤدي قوة أهل الإيمان إلى ترك العدل وذكرهم سبحانه بحالهم أيام كانوا مستضعفين في الأرض، وهم المشركون أن يبسطوا أيديهم بالأذى فكفها سبحانه وتعالى عنهم، فقال : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم
بعد أن ذكر سبحانه جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ذكر سبحانه الذين كفروا وكذبوا بآيات الله تعالى، وهذا النص الكريم يشتمل على وصف الذين لم يؤمنوا وجزائهم.
وإن أولئك الذين لم يؤمنوا يتصفون بوصفين : أولهما : الكفر وثانيهما : تكذيب آيات الله تعالى القائمة حجة على رسالة الرسول الذي أرسل إليهم، وقد ذكر الكفر سابقا على تكذيب الآيات مع أن الظاهر أن الكفر نتيجة لهذا التكذيب وذلك لأن الكفر هنا معناه : جحود القلب وطمس معالم الإدراك فقلوبهم غلف، قد غطيت عنها الحقائق وغاب عنها الفهم الصحيح، والإنكار يكون مرتكزا في النفس، فلا تذعن ولا تصدق وإذا كانت النفوس على هذا النحو فإنه يكون التكذيب لكل ما تدل عليه الآيات الحسية والمعجزات القطعية، لأن القلب قد شاه وفسد، فلا يرى الحقائق ويكذب بها، كما أن العين إذا شاهت وغشيت أصبحت لا ترى النور المبصر، وإن عم صاحبها وإن التكذيب بالمعجزات أكبر ما يكون عن فساد في الإدراك، إذ يكون لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، وكان التكذيب جرما عظيما لأنه تكذيب بآيات الله تعالى التي كانت للدلالة على الرسالة والإذعان للحق، فلم يفعلوا وكان الجزاء ما عبر عنه سبحانه بقوله تعالى : أولئك أصحاب الجحيم .
أي أولئك الذين كان منهم الكفر والجحود ثم التكذيب للآيات وقد جاءت معلمة واضحة بسبب ذلك كانوا ملازمين للجحيم أي النار المتأججة الشديدة اللهب التي تشوي الأجسام والوجوه شيا، فمعنى أصحاب الجحيم : الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه الذي لا يفترق عنه، وكلاهما جدير بصاحبه.
زهرة التفاسير
أبو زهرة