ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

قرأ حمزة والكسائي هنا وفي هود والصف ويونس «ساحر» بالألف أي ما هذا الرجل وهو عيسى إلا ساحر ظاهر.
وقرأ ابن عامر وعاصم في يونس فقط بالألف. والباقون «سحر» بكسر السين وسكون الحاء أي ما هذا الذي جاء به عيسى من الخوارق أو ما هذا أي عيسى إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وهذا على سبيل المبالغة أو على حذف مضاف.
روي أن عيسى عليه السلام لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله تعالى منهم حيث رفعه إلى السماء
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي الأنصار أي ألهمت القصارين وهم اثنا عشر رجلا في قلوبهم وأمرتهم في الإنجيل على لسانك أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي.
والمعنى أي آمنوا بوحدانيتي في الألوهية وبرسالة رسولي عيسى قالُوا آمَنَّا بوحدانيته تعالى وبرسالة رسوله وَاشْهَدْ أنت يا عيسى بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) أي مخلصون في إيماننا إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ.
قرأ الجمهور بالياء على الغيبة أي هل يفعل ربك. والمقصود من هذا السؤال تقرير أن ذلك المطلوب في غاية الظهور كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟
ويكون غرضه منه أن ذلك أمر جلي لا يجوز لعاقل أن يشك فيه، فكذا هاهنا.
وقرأ الكسائي «تستطيع» بتاء الخطاب لعيسى و «ربك» بالنصب على التعظيم وبإدغام اللام في التاء وهذه القراءة مروية عن علي وابن عباس، وعن عائشة. أي هل تستطيع أن تسأل ربك أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ عيسى لشمعون قل لهم: اتَّقُوا اللَّهَ في اقتراح معجزة لم يسبق لها مثال بعد تقدم معجزات كثيرة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) بكونه تعالى قادرا على إنزال المائدة فلعلكم تتركون شكرها فيعذبكم فقال لهم ذلك شمعون قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها أكل تبرك أو أكل حاجة وتمتع وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا بكمال قدرته تعالى لحصول علم المشاهدة مع علم الاستدلال وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا أي ونعلم علما يقينيا أنه صدقتنا في دعوى النبوة وأن الله يجيب دعوتنا وفي قولك: إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله تعالى إلا أعطانا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) لله بكمال القدرة ولك بالنبوة وهذه المعجزة سماوية وهي أعظم وأعجب فإذا شاهدناها كنا عليها من الشاهدين نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينا ويؤمن بسببها كفارهم قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أي لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك فقام واغتسل ولبس المسح وصلّى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره وقال: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً أي طعاما مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي نتخذ

صفحة رقم 302

اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا ونزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدا وإنما أسند العيد إلى المائدة لأن شرف اليوم مستعار من شرفها.
والمعنى يكون يوم نزولها لها عيدا لأهل زماننا ولمن بعدهم لكي نعبدك فيه وَآيَةً مِنْكَ أي دلالة على وحدانيتك وكمال قدرتك وصحة نبوة رسولك وَارْزُقْنا أي أعطنا ما سألناك وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها أي المائدة عَلَيْكُمْ.
وقرأ ابن عامر وعاصم ونافع «منزلها» بالتشديد. والباقون بالتخفيف فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ أي بعد نزولها مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أي إني أعذب من يكفر تعذيبا لا أعذب مثل ذلك التعذيب أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥).
روي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفا ثم قال: اللهم أنزل علينا إلخ.
فنزلت سفرة حمراء بين غما متين غمامة فوقها وأخرى تحتها وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى عليه السلام وقال: «اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة وقال لهم: ليقم أحسنكم عملا يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها» فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: «باسم الله خير الرازقين» فإذا سمك ة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسما وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، وحولها من الألوان ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. فقال شمعون: يا روح الله من طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال: «ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله» فقال الحواريون: لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى. فقال: «يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت» ثم قال لها: «عودي كما كنت فعادت مشوية» ثم طارت المائدة ثم عصوا وقالوا بعد النزول والأكل: هذا سحر مبين فمسخ الله منهم ثلاثمائة وثلاثين رجلا باتوا ليلتهم مع نسائهم، ثم أصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة في الحشوش، ولما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطيف به وجعل يدعوهم بأسمائهم واحدا بعد واحد فيبكون ويشيرون برءوسهم ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا وَإِذْ قالَ اللَّهُ يوم القيامة يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ في الدنيا اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره أراد الله تعالى بهذا السؤال أن يقر عيسى على نفسه بالعبودية فيسمع قومه ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك فذكر هذا السؤال مع علمه تعالى أن عيسى لم يقل ذلك إنما لتوبيخ قومه. قالَ أي عيسى وهو يرعد: سُبْحانَكَ أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن أقول ذلك ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي

صفحة رقم 303

بِحَقٍ أي ما كان ينبغي أن أقول ما ليس بجائز لي إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ لهم فَقَدْ عَلِمْتَهُ وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذل في حضرة ذي الجلال وتفويض الأمور بالكلية إلى الكبير المتعالي.
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي تعلم ما عندي ومعلومي ولا أعلم ما عندك ومعلومك إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) عن العباد ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ و «أن» مفسرة للهاء الراجع للقول المأمور به. والمعنى ما قلت لهم في الدنيا إلا قولا أمرتني به وذلك القول هو أن أقول لهم: اعبدوا الله ربي وربكم وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً على ما يفعلون ما دُمْتُ فِيهِمْ أي مدة دوامي فيما بينهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أي رفعتني من بينهم إلى السماء كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ أي الحافظ لأعمالهم المراقب لأحوالهم وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) وعالم بصير إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وقد استحقوا ذلك حيث عبدوا غيرك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أي القادر على ما تريد الْحَكِيمُ (١١٨) في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك إنما هو بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته.
ومقصود عيسى عليه السلام من هذا الكلام تفويض الأمور كلها إلى الله وترك الاعتراض عليه بالكلية لأنه يجوز في مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل العباد النار، لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه قالَ اللَّهُ هذا أي يوم القيامة يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ في الدنيا في أمور الدين.
قرأ الجمهور «يوم» بالرفع. وقرأ نافع «يوم» بالنصب. أي هذا القول واقع يوم إلخ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أي عن الصادقين بطاعتهم له وَرَضُوا عَنْهُ بالثواب والكرامة ذلِكَ الرضوان الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) فالجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود وكيف لا والجنة مرغوب الشهوة والرضوان صفة الحق وأي مناسبة بينهما لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) أي إن كل ما سوى الله تعالى من الكائنات والأجساد والأرواح ممكن لذاته موجود بإيجاده وإذا كان الله موجدا كان مالكا له، وإذا كان مالكا له كان له تعالى أن يتصرف في الكل بالأمر والنهي والثواب والعقاب كيف أراد فصح التكليف على أيّ وجه أراده الله تعالى، ولما كان الله مالك الملك فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع موضعه شرع محمد فبطل قول اليهود بعدم نسخ شرع موسى، ثم إن عيسى ومريم داخلان فيما سوى الله فهو كائن بتكوين الله تعالى فثبت كونهما عبدين لله مخلوقين له فظهر بهذا التقرير أن هذه الآية برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي اشتملت هذه السورة عليها.

صفحة رقم 304

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية