ويقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك :
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ( ١١١ ) .
وكلمة الحواري مأخوذة من المحسات. فالحواري تطلق على الدقيق النقي الخالص. وأطلقت على كل شيء نقي بصفاء خالص، و ( الحواري ) هنا تعني المخلص والمحب لمنهج الخير. وسبحانه يقول : وإذ أوحيت والوحي بمعناه العام هو الإعلام بخفاء ؛ أي أن الحق ألهمهم أن يؤمنوا برسالة عيسى المبلغ عن الله، أي أعملهم بخواطر القلب التي أعلم بها أم موسى أن تلقي ابنها في اليم ليلقيه اليم إلى الساحل، وهو غير الوحي للرسول، فالوحي إلى الرسول هو الوحي الشرعي بواسطة رسول مبلغ عن الله هو سيدنا جبريل عليه السلام، أما وحي الله إلى أم موسى أو إلى الحواريين فهو استقرار خاطر إيماني يلتفت بعده الموحى إليه ليجد الواقع يؤيد ذلك. وعندما لا يصادم إلهام القلب أمرا واقعا ولا يجد الإلهام ما يصادمه في نفس الإنسان، فهذا لون من الوحي، أي هو إعلام بخفاء، كأن يتوقع الرجل مقدم صديق من سفر، أو لونا من الطعام يشتهيه فيجده على المائدة.
إذن فالإلهام وارد من الله لخلق الله مادام لا يصادم شيئا في النفس أو في الواقع ؛ لأن الإلهام الذي يقابل صداما ليس من الله. فالشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
إن الله أوحى للحواريين أن يؤمنوا به وبرسالة عيسى عليه السلام. وبمجرد مجيء عيسى وسماعهم أنه رسول من الله أعلنوا الإيمان به وصاروا من خلصائه. وساعة نرى :( إذ ) فلنفهم أن معناها تذكر وقت الحدث الذي قال فيه الحواريون : نحن آمنا بعيسى نبيا من عند الله وأشهدوه أنهم مسلمون.
تفسير الشعراوي
الشعراوي