*يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ١٠٩ إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ١١٠ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ١١١ إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ١١٢ قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين ١١٣ قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ١١٤ قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين١١٥
بينا في أول تفسير الآيتين ٩٠ و ٩١ من هذه السورة وجه الاتصال والترتيب بين مجموع آياتها وطوائفها من أولها إلى هذا السياق الأخير منها وهو يتعلق بمحاجة أهل الكتاب عامة، والنصارى منهم خاصة، وفيه ذكر المعاد والحساب والجزاء الذي ينتهي إليه أمر المختلفين في الدين، وأمر المؤمنين المخاطبين بالأحكام التي سبق بيانها، وهذا هو وجه المناسبة والاتصال بين هذه الآيات وما قبلها مباشرة من آيات الأحكام.
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ( ١١١ ) أي واذكر نعمتي عليك حين ألهمت الحواريين أن يؤمنوا بك – وقد كذبك جمهور بني إسرائيل – فجعلتهم أنصارا لك يؤيدون حجتك، وينشرون دعوتك. والوحي في أصل اللغة الإشارة السريعة الخفية، أو الإعلام بالشيء بسرعة وخفاء، كما بيناه من قبل. ولو وجد هذا التلغراف في عهد العرب الخلص لسموا خبره وحيا، والمصريون يسمونه حتى في الرسميات إشارة. وأطلق الوحي في القرآن على ما يلقيه الله تعالى في نفوس الأحياء من الإلهام كقوله تعالى : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا [ النحل : ٦٨ ] وقوله : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم [ القصص : ٧ ] وهكذا ألقى الله تعالى في قلوب الحواريين الإيمان به وبرسوله عيسى عليه السلام، وقيل الوحي إليهم هو ما أنزل على أنبيائهم.
والحواريون جمع حواري وهو من خلص لك وأخلص سرا وجهرا في مودتك، ومعناه في أصل اللغة الأبيض النقي اللون، والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود لبياضهن، قال في اللسان : والأعراب تسمى نساء الأمصار حواريات لبياضهن وتباعدهن من قشف الأعراب بنظافتهن، قال :
| فقلت إن الحواريات معطبة | إذا تفتلن من تحت الجلابيب(١) |
واللغة لا تدل على النقاء من كل عيب بهذا التحديد، وإنما تدل على النقاء والخلوص مطلقا، فيكفي في صحة الإطلاق أن يكونوا قد خلصوا لنصره، أو خلصوا ونقوا من الكفر والنفاق. وقد حكى الله عنهم هنا أنهم قالوا : آمنا. أي بالله ورسوله عيسى عليه السلام. وأشهدوا الله على أنفسهم إنهم مسلمون، أي مخلصون في إيمانهم مذعنون لما يترتب عليه من الأمر والنهي، وحكى عنهم في سورتي [ آل عمران ] و [ الصف ] أنهم حين قال المسيح «من أنصاري إلى الله » قالوا «نحن أنصار الله ».
٢ روي الحديث في الصحيحين وسنن ابن ماجه ومسند أحمد ابن لفظ: «إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير»، أخرجه البخاري في الجهاد باب ٤٠، ٤١، ١٣٥، وفضائل الصحابة باب ١٣، والمغازي باب ٢٩، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٤٨، وابن ماجه في المقدمة باب٧١١، وأحمد في المسند ١/٨٩، ١٠٢، ١٠٣، ٣/٣٠٧، ٣١٤، ٣٣٨، ٣٦٥..
٣ زعم بعض كتاب النصارى المعاصرين أن كلمة «الحواري» محرفة عن كلمة الخوري اليونانية، وهو زعم شبهته ضعيفة و البراهين على بطلانه قوية، فالكلمة لم تستعمل في القرآن إلا بصيغة جمع المذكر السالم وهو منقول بالتواتر اللفظي والخطي ومعروف معناه في اللغة، وجمع الخور الخوارنة لا خواريون. ولو أخذ اللفظ المفرد (حواري) فرد أو لإفراد من كتاب العرب عن كتابة لنصارى الروم أو غيرهم لأمكن حينئذ أن يقال إنهم حرفوه إن ثبت أن الروم أو غيرهم كانوا يطلقون لقب الخوري عن تلاميذ المسيح، كيف ومعنى الخوري الكاهن المدبر للقرية ولم يطلقه أحد من العرب بهذا المعنى؟ (المؤلف)..
تفسير المنار
رشيد رضا