ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

إن تعذبهم فإنهم عبادك وأنت مالك لهم، ولا اعتراض على المالك في ملكه، وفيه تنبيه على أنهم استحقوا العذاب، أي : لأنهم عبادة وقد عبدوا غيرك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ، فلا عجز ولا استقباح، فإنك القادر والقوي على الثواب والعقاب بلا سبب، ولا تُعاقب إلا عن حكمة وصواب، فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد، فلا امتناع فيه لذاته ليمتنع الترديد والتعليق بإن. قاله البيضاوي.
وقال ابن جزي : فيه سؤالان : الأول : كيف قال : وإن تغفر لهم وهم كفار، والكفار لا يغفر لهم ؟ فالجواب : أن المعنى تسليم الأمر إلى الله، وإنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه ؛ لأن الخلق عباده، والمالك يفعل ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار، وإنما يقتضي جوازها في حكمة الله وعزته، وفَرقٌ بين الجواز والوقوع، وأما على قول من قال : إن هذا الخطاب وقع لعيسى عليه السلام حين رفعه الله إلى السماء فلا إشكال، لأن المعنى : إن لم تغفر بهم التوبة، وكانوا حينئذٍ أحياء، وكل حيّ مُعرض للتوبة.
السؤال الثاني : ما مناسبة قوله : العزيز الحكيم لقوله : وإن تغفر لهم ، والأليق إن قال : فإنك أنت الغفور الرحيم ؟ فالجواب : أنه لما قصد التسليم له والتعظيم، كان قوله : فإنك أنت العزيز الحكيم أليق، فإن الحكمة تقتضي التسليم، والعزة تقتضي التعظيم، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد، ولا يغلبه غيره، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فاقتضى الكلام تفويض الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدمها ؛ لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته، وأيهما فعل فهو جميل لحكمته. وقال أبو جعفر بن الزبير : إنما لم يقل الغفور الرحيم ؛ لئلا يكون شفيعًا لهم بطلب المغفرة، فاقتصر على التسليم والتفويض، دون الطلب، إذ لا نصيب في المغفرة للكفار. انظر بقية كلامه.
قال التفتازاني : ذكر المغفرة، يوُهم أن الفاصلة : الغفور الرحيم ، لكن يُعرف بعد التأمل أن الواجب هو العزيز الحكيم ؛ لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه، وهو العزيز، أي : الغالب، ثم وجب أن يوصف بالحكمة على سبيل الاحتراس ؛ لئلا يتوهم أنه خارج عن الحكمة. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل من صَدّر نفسه للشيخوخة من غير إذن، وأشار إلى تعظيمه بلسان الحال أو المقال يَلحَقُهُ العتاب يوم القيامة فيقال له : أأنت قلت للناس عظموني من دون الله ؟ فإن كان مقصوده بالأمر بالتعظيم الوصول إلى تعظيم الحق تعالى، والأدب معه في الحضرة دون الوقوف مع الواسطة، وبذل جهده في توصيل المريدين إلى هذا المقام، يقول : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إلى تمام ما قال السيد عيسى عليه السلام، فيقال له : هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم . وإن كان مقصوده بالتصدّر للتعظيم والآمر به، حظ نفسه، وفَرَح بتربية جاهه والإقبال عليه، افتضح وأُهين بما افتضح به الكاذبون المدعون. نسأل الله تعالى الحفظ والرعاية بمنِّه وكرمه، وسيدنا محمد رسوله ونبيّه ـ صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم ـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير