ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

ويخبرنا الحق من بعد ذلك بما جاء على لسان عيسى ابن مريم في قوله الكريم :
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( ١١٨ ) .
ولقائل أن يقول : أليس في ذلك الأمر إشكال واضح ؟. لقد ادعى بعض أتباع عيسى أنهم أبلغوا من عيسى أن يتخذوه هو وأمه إلهين من دون الله. فكيف يطلب لهم عيسى المغفرة في هذه الآية.
ونقول : إن عيسى لم يقل :( يا رب اغفر لهم ) ولكنه قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي أن عيسى قد ترك الأمر لطلاقة المشيئة الإلهية، وهو كرسول من عند الله يعلم أن رحمة الله سبقت غضبه، وأن له سبحانه طلاقة القدرة، فلا قدرة تقيده فطلاقة المشيئة موجودة. وهم عباد لله باختيارهم.
إننا نعرف أن كل خلق الله هم عبيد الله. ولكن المطيعين لله والمؤمنين به خاصة هم عباد الله. إذن فالخلق نوعان : عباد الله ذهبوا لله إيمانا ومحبة وطاعة، والنوع الثاني هم العبيد الذين يقهرون لقاهرية سيدهم، وحتى الكافر لم يكفر رغما عن الله. بل كفر بما آتاه الله من قدرة اختيار في أن يفعل أو لا يفعل، وكان الحق قادرا على أن يخلق خلقا لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يأمرهم به الله. وقد فعل الحق ذلك مع الملائكة.
لكن قدر القهر تثبت لله صفة القهار على المقهور ولا تثبت صفة المحبة، فالمحبة تأتي من أن يكون المخلوق مختارا أن يؤمن أو أن يكفر، ثم يختار الإيمان. إنه بذلك آمن بالمحبة لا بالقهر. وهكذا يريد الله خلقه المؤمنين به، إن كل الوجود – ما عدا الإنسان – مقهور، ولا يقدر على المعصية : الشمس، والقمر، والمطر، والهواء، والسحاب وكل ما في الكون مقهور لله.
إذن لو أراد الله خلقا مقهورين على الإيمان به ما استطاع أحد من خلقه أن يكفر به، ولكن الحق أراد أن يثبت صفة القهر فيما دون الإنسان، أما في الإنسان فقد خلقه الله مختارا بين الكفر والإيمان حتى يأتي بعض من العباد ليصنعوا ما يحبه الله ويرضاه ويتبعوا منهج الله، وهم يعلمون أن الله لم يكلفهم ما لا طاقة لهم به. فلا يكلف – سبحانه – بأن يموت أو يمرض، ولا يكلف فاقد آلة الاختيار وهي العقل، ولا يكلف من لم يبلغ رشد العقل ؛ لأن التكليف للإنسان لا يتم إلا بوجود ثلاثة شروط : الأول : أن يوجد العقل، والثاني : أن يكون العقل في تمام النضج وهو الرشد، والثالث : ألا تكون هناك قوة تهدد حياته وتقهره على فعل ما.
وهكذا نعلم أن هناك ثلاثة يخرجون من دائرة التكليف. وهم : المجنون وغير ناضج العقل لأنه لم يبلغ الرشد، والمقهور بفعل فاعل. وقد أعطى الحق مع التكليف الثواب على الطاعة والعقاب على المصيبة، وبذلك ليس لأحد عند الله حجة، ومن دخل التكليف طائعا فهو من عباد الله. ومن عصى الله وخرج عن التكليف فهو من العبيد المقهورين في كل شيء فيما عدا التكاليف التي خيروا فيها.
إذن فالعباد هم الذين دخلوا العبادية بأن وازنوا بين الإيمان ونقيضه الكفر......... أي بين المراد لله. وغير المراد لله. فكيف إذن يقول عيسى ابن مريم على الرغم من عمله بكفرهم : إن تعذبهم فإنهم عبادك ؟. ونقول : إن معنى ( العباد ) و ( العبيد ) الذي شرحناه سابقا هو وضع الإنسان في الدنيا وما يكون عليه فيها، ولكن الحوار الذي نقرؤه في القرآن بين عيسى عليه السلام والحق سبحانه وتعالى يكون في الآخرة، وكلنا في الآخرة عباد طائعون.
وعندما نستقرئ كلمة ( عباد ) في القرآن نجد أن العباد هم الصفوة المختارة التي اختارت مراد الله فوق اختيارهم فاستوت مع المقهور تماما. ومثال ذلك قول الحق سبحانه :
وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا ( من الآية ٦٣ سورة الفرقان )
إنه يأتي هنا بالخصال الجميلة لهذه الصفوة من العباد. والشيطان نفسه يعلن عدم استطاعته إغواء العباد المخلصين كما يقرر القرآن الكريم :
إلا عبادك منهم المخلصين ( ٨٣ ) ( سورة ص )
أما في الآخرة فكلنا عباد، وهاهو ذا الحق سبحانه يخاطب الذين أضلوا غيرهم بقوله تعالى :
أأنتم أضللتم عبادي ( من الآية ١٧ سورة الفرقان )
إن الكل عباد لله يوم القيامة، والكل ينفذ مراد الله، ولا ولاية لأحد
على أي شيء من أبعاضه وجوارحه، فالعين التي كانت مسخرة للعبد في الدنيا تأتمر بأمر العبد فيختار أن يرد الحلال أو يرى الحرام، هذه العين تسترد حريتها من صاحبها فلا ولاية له عليها في اليوم الآخر، وكذلك اليد واللسان والجلد والقدم، وكل الأبعاض. وتكون النفس الإنسانية في الدنيا كقائد لكل الأبعاض والجوارح تنفذ أوامر الإنسان سواء للخير أو للشر، وسواء للطاعة أو للمعصية. لكن هذه الأبعاض والجوارح تنطلق يوم القيامة لتشهد على كل ما فعل الإنسان، فليس لأحد مراد غير مراد الله.
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ( من الآية ١٦ سورة غافر ).
لقد انتهت مرادات البشر وبقي مراد الله فصار الكل عبادا لله. وعلى هذا فليس هناك إشكال في قول عيسى : إن تعذبهم فإنهم عبادك . ونعلم أيضا أن كلمة ( عبيد ) تشملنا كلنا فيما نحن غير مخيرين فيه مثل إرادة التنفس أو ميعاد الميلاد أو ميعاد الموت، ولكن المؤمنين يرتقون من ( العبيدية ) إلى ( العبادية ) بتنفيذ منهج الله، أما الكافرون والعصاة فهم يعصون الله بما لهم من اختيار ويسيرون في درب العصيان معاندة لمنهج الله. وحتى يثبت الحق لنا جميعا أن الكافرين مجرد عبيد فهو يصيبهم بالمرض والفاقة والآلام النفسية العميقة ولا يجرؤ واحد منهم أن يصادم مراد الله في هذه الأحداث التي يجريها عليهم. ولذلك فالمؤمن يشكر الحق باختياره لأن الله حماه بأدوات الاختيار وجودا ونضجا وعدم إكراه.
ولنا أن نلحظ أننا كلنا في يوم القيامة – كما قلنا من قبل – نصير عبادا لله فلا مرد لأحد فينا على أي شيء، وكل المراد يكون لله، وقد أورد الحق سبحانه ما جاء على لسان عيسى عليه السلام فقال : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم . وهذا التذييل لكلمات عيسى ابن مريم لم يأت باعتذار أو طلب الحنان من الله على الذين كفروا بالله وأشركوا به، فالعزيز الحكيم هو الذي لا يغلب على أمره ولا تسيطر عليه قوة ولا تحمي هؤلاء الناس قوة غير قوة الله، فهو القاهر العزيز، إن شاء غفر لهم فلا راد لمشيئته.
وبعض السطحيين الذين يتلمسون الأخطاء في القرآن قالوا : ألم يكن الأجدر أن يقول عيسى : إن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ؟. فنرد على هؤلاء السطحيين فنقول : إن كل كلمة في القرآن جاذبة لمعناها، وكل معنى في القرآن عاشق لكلمته. ولذلك جاء التذييل في هذه الآية بما يخدم طلاقة المشيئة في تعذيبهم أو في الغفران لهم، فإن عذبهم فليس هناك قوة ثانية تستطيع أن تحميهم من عذابه ؛ لأنه سبحانه – عزيز، وإن غفر لهم فلا توجد قوة أعلى تسأله : كيف غفرت لهم وقد كانوا كافرين ؟
إذن فسبحانه لا يسأل عما يفعل لأنه عزيز حكيم. وأيضا فقولهم : كان الأنسب أن يقول : فإنك أنت الغفور الرحيم. ونقول لهم : هي تناسب قوله : وإن تغفر لهم ولكنها لا تناسب إن تعذبهم فكان لا بد أن يأتي تذييل الآية بما يناسب إن تعذبهم وبما يناسب قوله تعالى : وإن تغفر لهم .

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير