والحق بعد ذلك يقول :
قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ( ١١٩ ) .
نعرف أن هناك صدقا ينفع يوم القيامة وهو الصدق الموصول بصدق الدنيا. وهناك صدق لا ينفع يوم القيامة ومثال ذلك قول إبليس اللعين كما يحكي القرآن الكريم :
إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم
( من الآية ٢٢ سورة إبراهيم )
مثل هذا الصدق لا ينفع أحدا ؛ لأن الآخرة ليست دار التكليف. لكن الصدق الموصول بصدق الدنيا هو قول عيسى عليه السلام : إن كنت قلته فقد علمته . ولذلك يقول الله في الصدق الموصول : هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم .
ذلك أن صدق الصادقين يوم القيامة هو صدق موصول بصدقهم في زمن التكليف وهو الدنيا ويتلقون رضاء الله : لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه وإن تساءل إنسان : كيف يرضى العبد عن ربه ؟.
نقول : إن العباد المؤمنين عندما يعاينون الجزاء المعد لهم في الآخرة يمتلئون بالحبور ويقولون :
الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ( من الآية ٧٤ سورة الزمر )
هذه الآية التي تتحدث عن يوم ينفع الصادقين صدقهم بقوله : ذلك الفوز العظيم كأن هناك فوزا سطحيا، وفوزا عظيما. والفوز السطحي : هو ما يعطيه الإنسان لنفسه في دار التكليف من متعة قصيرة العمر والأجل فيبدو ظاهريا وكأنه قد فاز، وفي الحقيقة ليس هو الفوز العظيم لأن الندم سيعقبه، وأي لذة يعقبها الندم ليست فوزا ؛ لأن الدنيا بكل ما فيها من نعيم هو نعيم على قدر إمكانات الإنسان وتصوره، وهو نعيم مهدد بشيئين ؛ أن يزول النعيم عن الإنسان، وكثيرا ما رأينا منعمين زال عنهم النعيم، أو أن يترك الإنسان هذا النعيم بالموت، ونرى ذلك كثيرا. أما النعيم الذي هو الفوز العظيم فهو النعيم الموصول الذي لا يمنعه أحد، ولا يقطعه شيء.
تفسير الشعراوي
الشعراوي