المعنى الجملي : بعد أن أقام سبحانه الحجة على أهل الكتاب عامة بين ما كفر به النصارى خاصة.
روى ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي وبحري بن عمرو وشاس بن عدي من اليهود فكلمهم وكلموه ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد ؟ نحن والله أبناء الله وأحباؤه كما قالت النصارى ذلك فأنزل الله فيهم :
وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه إلى آخر الآية وقد جاء إطلاق هذا اللفظ ( أبناء الله ) في الإنجيل على الملائكة وعلى المؤمنين الصالحين كما حكاه متى في وعظ المسيح على الجبل من قوله :( طوبي لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون ) وكقول بولس في رسالته إلى اهل الرومية ( لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ) ومن هذا يعلم أن ( ابن الله ) يستعمل في كتبهم بمعنى حبيب الله الذي يعامله معاملة الأب لابنه من الرحمة والإحسان والتكريم ولكن النصارى تحكموا في هذا اللقب فجعلوه بمعنى الابن الحقيقي للمسيح وبالمعنى المجازي بالنسبة إلى غيره من الصالحين.
و قد رد الله عليهم بقوله لنبيه :
قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق يعفر لمن يشاء ويعذب من يشاء أي قل لهم أيها النبي إذا كان الأمر كما زعمتم فلم يعذبكم الله بذنوبكم في الدنيا كما ترون ؟من تخريب الوثنيين لمسجدكم الأكبر ولبلدكم المرة بعد المرة ومن إزالة ملككم من الأرض والأب لا يعذب ابنه والحبيب لا يعذب حبيبه فلستم إذا أبناء الله ولا أحباؤه بل أنتم بشر من جملة ما خلق والله سبحانه لا يحابي أحدا وإنما يعفر لمن يعلم أنه مستحق للمغفرة ويعذب من يعلم أنه مستحق للعذاب فارجعوا عن غروركم بأنفسكم وسلفكم وكتبكم فكل هذا لا يجزيكم فتيلا ولا قطميرا وإنما الذي ينفعكم هو الإيمان الصحيح وصالح الاعمال فالجزاء أنما يكون عليها ولا على الأسماء والألقاب :
ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير أي إنه تعالى الخالق ذو التصرف المطلق في كل شيء بمقتضى علمه وحكمته وعدله وفضله وجميع المخلوقات عبيد له لا أبناء ولا بنات إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ( مريم : ٩٣ ).
و في ختمها بقوله وإليه المصير إشارة إلى انه سيعذبهم في الآخرة على هذا الكفر والدعاوى الباطلة وانهم عندما يصيرون إليه يعلمون أنهم عبيد آبقون يجازون لا أبناء ولا أحباء يحابون.
و قد كان اليهود يعتقدون أنهم شعب الله الخاص ميزهم عن سائر البشر فليس لشعب آخر أن يطلب مساواته بهم وإن كان أصح منهم إيمانا وأصح أعمالا ولا ينبغي أن يتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه عربي لا إسرائيلي والفاضل لا يتبع المفضول والله لا يعاملهم إلا معاملة الوالد لأبنائه الأعزاء والنصارى قد زادوا عليهم غرورا فهم قد ادعوا أن المسيح فداهم بنفسه وانهم أبناء الله بولادة الروح والمسيح ابنه الحقيقي ويخاطبون الله تعالى بلقب الأب.
و قد جاهد النبي صلى الله عليه وسلم غرور اليهود جهادا عظيما ولم يجد ذلك فيهم شيئا فرفضوا دعوته وردوا ما جاءهم به من أن العمل مرضاة الله وبه تنال تزكية النفس وإصلاحها كما جاهد صلف النصارى وكبرهم وكانوا زمن التنزيل أشد من اليهود فسادا وظلما وعدوانا بشهادة المؤرخين ومع كل هذا يدعون أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنهم ليسوا في حاجة إلى إصلاح دينهم ولا دنياهم كما فعل اليهود مثل ذلك.
و الخلاصة : إن هذه الآيات تبين لنا سنة الله في البشر وأن الجزاء إنما يكون على الأعمال لا على الأسماء والألقاب.
تفسير المراغي
المراغي