ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ تُبَيِّنُ سُنَّتَهُ تَعَالَى فِي الْبَشَرِ، وَأَنَّ الْجَزَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْأَعْمَالِ، لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالْأَلْقَابِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُصَدِّقُهُ الْوُجُودُ، وَتَشْهَدُ بِهِ تَوَارِيخُ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَجْيَالِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ شَأْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالدِّينِ الْقَيِّمِ أَنْ يَكُونُوا أَعْرَفَ بِسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ ; فَتَكُونَ ذُنُوبُهُمُ الَّتِي يُعَاقَبُونَ بِهَا مَوْعِظَةً يَتَّعِظُونَ بِهَا، وَتَمْحِيصًا يُكْمِلُ نُفُوسَهُمْ بِالْعِبَرِ، وَيُعْلِي شَأْنَهَا، وَأَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ لِكُلِّ مَا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِلْخَيْبَةِ وَالْخُسْرَانِ ; كَالظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ، وَالتَّنَازُعِ وَالتَّفَرُّقِ، وَالْغُرُورِ وَعَدَمِ النِّظَامِ، وَبِهَذَا يَكُونُونَ مِنْ أَحِبَّاءِ اللهِ تَعَالَى وَيَكُونُ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ قَبِيلِ تَرْبِيَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُسَمَّى تَعْذِيبًا ; لِأَنَّ مَرَارَةَ الدَّوَاءِ الَّذِي يَشْفِيكَ مِنَ السَّقَمِ، لَيْسَ كَالسَّوْطِ الَّذِي لَا يُصِيبُكَ مِنْهُ إِلَّا الْأَلَمُ.
وَمَنْ رَاجِعِ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ تَفْسِيرِنَا هَذَا يَتَجَلَّى لَهُ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ تَمَامَ التَّجَلِّي، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَعْتَصِمُوا بِهَذَا الْبَيَانِ ; فَيَتَّقُوا غُرُورَ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلِ اتَّبَعُوا سُنَّتَهُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، إِلَى أَنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى
ضِدِّ مَا كَانَ، فَتَرَكَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ذَلِكَ الْغُرُورَ بِدِينِهِمْ، وَاهْتَدَوْا بِسُنَنِ اللهِ فِي الْأُمَمِ وَالدُّوَلِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُمْ، فَسَارُوا عَلَيْهَا فِي سِيَاسَةِ مُلْكِهِمْ، وَكَانَ آخَرُ حَوَادِثِ غُرُورِ دُوَلِهِمُ الْكُبْرَى غُرُورَ دَوْلَةِ الرُّوسِيَّةِ فِي حَرْبِهَا مَعَ دَوْلَةِ الْيَابَانِ الْوَثَنِيَّةِ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غُرُورًا دِينِيًّا مَحْضًا، بَلْ كَانَ مَمْزُوجًا بِالِاسْتِعْدَادِ الدُّنْيَوِيِّ مَزْجًا، وَبَقِي مَنِ اتَّبَعُوا سُنَنَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَابِتِينَ عَلَى تَقْلِيدِ أُولَئِكَ الْمَخْذُولِينَ، وَفُتِنَ بَعْضُهُمْ بِالْمُتَأَخِّرِينَ الْمُعْتَبَرِينَ، وَلَكِنَّهُمْ مَا احْتَذَوْا مِثَالَهُمْ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَا رَجَعُوا فِي مِثْلِهِ إِلَى هَدْيِ الدِّينِ (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) (٤٠: ١٣).
أَقَامَ اللهُ الْحُجَّةَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَدَحَضَ شُبْهَتَهُمُ الَّتِي غَرَّتْهُمْ فِي دِينِهِمْ، فَحَسُنَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِحُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا هُمْ أَصَرُّوا عَلَى غُرُورِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، فَقَالَ: (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) أَيْ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي كُتُبِكُمْ، الْمُنْتَظَرُ فِي اعْتِقَادِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ أَخْبَرَكُمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى أَنَّهُ سَيُقِيمُ نَبِيًّا مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ إِخْوَتِكُمْ، وَعَلَى لِسَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بِأَنْ سَيَجِيءَ بَعْدَهُ الْبَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْبِشَارَاتُ فِي كُتُبِكُمْ، وَإِنْ حَرَّفْتُمُوهَا بِسُوءِ فَهْمٍ أَوْ بِسُوءِ قَصْدٍ مِنْكُمْ، وَهُوَ النَّبِيُّ الْكَامِلُ الْمَعْهُودُ الَّذِي سَأَلَ أَجْدَادُكُمْ عَنْهُ يَحْيَى (يُوحَنَّا) عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَفِي أَوَائِلِ الْإِنْجِيلِ الرَّابِعِ أَنَّ الْيَهُودَ أَرْسَلُوا كَهَنَةً وَلَاوِيِّينَ فَسَأَلُوا يُوحَنَّا: أَأَنْتَ الْمَسِيحُ؟ قَالَ: لَا. أَأَنْتَ إِيلِيَا؟ قَالَ: لَا. أَأَنْتَ النَّبِيُّ؟ قَالَ: لَا، وَهَذَا هُوَ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الْعَرَبِيُّ الْأُمِّيُّ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا - وَهُوَ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ - أَيِ انْقِطَاعٍ -

صفحة رقم 263

مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ عَهْدٍ عَلَى الْوَحْيِ - جَمِيعَ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ، وَمَا يَصْلُحُ بِهِ أَمْرُ دُنْيَاكُمْ مِنَ الْعَقَائِدِ الْحَقِّ الَّتِي أَفْسَدَتْهَا عَلَيْكُمْ نَزَغَاتُ الْوَثَنِيَّةِ، وَالْأَخْلَاقُ وَالْآدَابُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي أَفْسَدَهَا عَلَيْكُمُ الْإِفْرَاطُ وَالتَّفْرِيطُ فِي الْأُمُورِ الْمَادِّيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، وَالْعِبَادَاتُ وَالْأَحْكَامُ، الَّتِي تَصْلُحُ بِهَا أُمُورُكُمُ الشَّخْصِيَّةُ وَالِاجْتِمَاعِيَّةُ؛ فَتَرَكَ التَّصْرِيحَ بِمَفْعُولِ (يُبَيِّنُ لَكُمْ) لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا بَيَّنَهُ لَكُمْ مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ; لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى لَمَا عَرَفَ هَذَا وَلَا ذَاكَ، مِمَّا تَقَاصَرَتْ عَنْهُ عُلُومُ أَحْبَارِكُمْ
وَرُهْبَانِكُمْ وَحُكَمَائِكُمْ وَسَاسَتِكُمْ، جَاءَ رَسُولُنَا مُحَمَّدٌ يُبَيِّنُ لَكُمْ كُلَّ هَذَا ; لِيَقْطَعَ مَعْذِرَتَكُمْ، وَيَمْنَعَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ) يُبَشِّرُنَا بِحُسْنِ عَاقِبَةِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ الْمُتَّقِينَ، وَيُنْذِرُنَا وَيُخَوِّفُنَا سُوءَ عَاقِبَةِ الْمُفْسِدِينَ الضَّالِّينَ الْمَغْرُورِينَ.
(فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ) يَبِينُ لَكُمْ أَنَّ أَمْرَ النَّجَاةِ وَالْخَلَاصِ وَالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي دَارِ الْقَرَارِ لَيْسَ مَنُوطًا بِأَمَانِيِّكُمُ التى تَتَمَنَّوْنَهَا، وَأَوْهَامِكُمُ التى تَغْتَرُّونَ بِهَا، بَلْ هُوَ مَنُوطٌ بِالْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُحَابِي أَحَدًا مِنَ النَّاسِ. قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (٤: ١٢٣ ١٢٤) (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فَلَا يُعْجِزُهُ أَنْ يُرِيَكُمْ صِدْقَ نَبِيِّهِ بِنَصْرِ دَعْوَتِهِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا ; لِتَقِيسُوا عَلَى ذَلِكَ - إِنْ عَقَلْتُمْ - مَا يَكُونُ مِنَ الْأَمْرِ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى.
رَوَى أَبْنَاءُ إِسْحَاقَ وَجَرِيرٍ وَالْمُنْذِرِ وَأَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَرَغَّبَهُمْ فِيهِ وَحَذَّرَهُمْ ; فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللهَ، فَوَاللهِ لَتَعْلَمُونِ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، لَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبُ بْنُ يَهُوذَا: إِنَّا مَا قُلْنَا لَكُمْ هَذَا، وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ مِنْ بَعْدِ مُوسَى، وَلَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا بَعْدَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ الْآيَةَ ; أَيْ أَنْزَلَهَا فِي هَذَا السِّيَاقِ، مُتَضَمِّنَةً لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ أَنْ " الْفَتْرَةَ " مِنْ فَتَرَ الشَّيْءُ: إِذَا سَكَنَ أَوْ زَالَتْ حِدَّتُهُ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: " الْفُتُورُ " سُكُونٌ بَعْدَ حِدَّةٍ، وَلِينٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، وَضَعْفٌ بَعْدَ قُوَّةٍ، وَذَكَرَ الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا انْقِطَاعُ الْوَحْيِ وَظُهُورِ الرُّسُلِ عِدَّةَ قُرُونٍ، وَقَوْلُهُ (أَنْ تَقُولُوا) تَقَدَّمَ مِثْلُهُ، وَمِنْهُ: (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (٤: ١٧٦) فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَتَقَدَّمَ

صفحة رقم 264

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية