ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

أقام الله تعالى الحجج القيمة على بني إسرائيل، وأثبت لهم رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى فيما أوحاه إليه بشأنهم وشأن كتبهم وأنبيائهم من البشارات وأخبار الغيب وتحريف الكتب ونسيان حظ منها، ونحو ذلك من الآيات الدالة على صدقه، وكون ما جاء به من عند الله تعالى هو من جنس ما جاء به أنبياؤهم، إلا أنه أكمل منه على سنة الترقي في البشر، وأيد ذلك بدحض شبهاتهم وإبطال دعاويهم وبيان مناشىء غرورهم، ثم لما لم يزدهم ذلك كله إلا كفرا وعنادا – بين الله تعالى في هذه الآيات واقعة من وقائعهم مع موسى عليه الصلاة والسلام الذي أخرجهم الله على يديه من الرق والعبودية واضطهاد المصريين لهم، إلى الحرية والاستقلال وملك أمرهم، وكونهم على هذا كله كانوا يخالفونه ويعاندونه حتى فيما يدعوهم إليه من العمل الذي تتم به النعمة عليهم في دنياهم التي هي أكبر همهم، ليعلم الرسول بهذا أن مكابرة الحق ومعاندة الرسل خلق من أخلاقهم الموروثة عن سلفهم، فيكون ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم ومزيد عرفان بطبائع الأمم وسنن الاجتماع البشري. وبهذا يظهر حسن نظم الكلام ووجه اتصال لاحقه بسابقه.
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ المقدسة المطهرة من الوثنية لما بعث الله من الأنبياء دعاة التوحيد وفسر مجاهد المقدسة بالمباركة. ويصدق بالبركة الحسية والمعنوية، وروى ابن عساكر عن معاذ بن جبل : أن الأرض المقدسة ما بين العريش إلى الفرات. وروى عبد الرازق وعبد بن حميد عن قتادة أنها الشام. والمعنى واحد فالمراد بالقولين القطر السوري في عرفنا. وهذا يدل على أن هذا التحديد لسورية قديم، وحسبنا أنه من عرف سلفنا الصالح وقالوا إنه هو مراد الله تعالى، ولا أحق وأعدل من قسمة الله تعالى وتحديده. وفي اصطلاح بعض المتأخرين أن سورية هي القسم الشمالي الشرقي من القطر والباقي يسمونه فلسطين، أو بلاد القدس، والمشهور عند الناس أنها هي الأرض المقدسة. القول الأول هو الصحيح فإن بني إسرائيل ملكوا سورية، فسورية وفلسطين شيء واحد في هذا المقام. ويسمون البلاد المقدسة أرض الميعاد فإن الله تعالى وعد بها ذرية إبراهيم. ويدخل فيما وعد الله به إبراهيم الحجاز وما جاوره من بلاد العرب، وقد خرج موسى ببني إسرائيل من مصر ليسكنهم الأرض المقدسة التي وعدوا بها من عهد أبيهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وإنما كان يريد موسى عليه السلام بأرض الموعد البلاد المقدسة ما عدا بلاد الحجاز التي هي أرض أولاد عمهم العرب.
قال الدكتور بوست في قاموس الكتاب المقدس : اختصر اسم فلسطين أولا بأرض الفلسطينيين، ثم أطلق على كل الإسرائيليين غربي الأردن فكان يطلق عليها في الأصل ام كنعان. وكانت فلسطين معروفة أيضا بالأرض المقدسة وأرض إسرائيل وارض الموعد واليهودية. وهي واقعة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط بين سهول النهرين ( دجلة والفرات ) والبحر المذكور، وبين ملتقى قارتي آسية وإفريقية، وهي متوسطة بين آشور ومصر وبلاد اليونان والفرس.. إلى أن قال : ويعسر علينا معرفة حدود فلسطين، فإنه مع دقة الشرح عن التخوم التي تفصل بين سبط وآخر لم يشرح لنا في الكتاب المقدس شرحا مستوفى تتميز به تخوم فلسطين عن تخوم الأمم المجاورة لها. ويظهر أن هذه التخوم كانت تتغير من جبل إلى جبل. أما الأرض الموعود بها لإبراهيم والموصوفة في كتابات موسى فكانت تمتد من جبل هور إلى مدخل حماه ومن نهر مصر العريش ( إلى النهر الكبير نهر الفرات ) ( تلك ١٥ ) ١٨ وعد ٣٤ : ٢ – ١٢ وتث ١ : ١٧ ) وأكثر هذه الأراضي كانت تحت سلطة سليمان. فكان التخم الشمالي حينئذ سورية، والشرقي الفرات والبرية السورية، والجنوبي برية التيه وأدوم، والغربي البحر المتوسط. اه بنصه مع اختصار حذف به أكثر الشواهد. ولا حاجة لنا بغير الأخيرة منها وهي التي ذكرناها.
فقوله تعالى :( كتب الله لكم ( يريد به موسى ما وعد الله به إبراهيم، يعني كتب لهم الحق في سكنى تلك البلاد المقدسة بحسب ذلك الوعد، أو في علمه. وليس معناه إنها كلها تكون ملكا لهم دائما، أو لا يزاحمهم فيها أحد. لأن هذا مخالف للواقع ولن يخلف الله عده. فاستنباط اليهود من ذلك الوعد أنه لا بد أن يعود لهم الملك في البلاد المقدسة غير صحيح. ويحسن هنا أن نذكر نص التوراة العربية الموجودة الآن في هذا الوعد : جاء في سفر التكوين أنه لما مر إبراهيم بأرض الكنعانيين ظهر له الرب ١٢ : ٧ ( وقال لنسلك أعطي هذه الأرض ) وجاء فيه أيضا ما نصه ١٥ : ١٨ ( في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا : لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات ) وهذا الوعد ذكر في سفر التكوين قبل ذكر ولادة إسماعيل. وجاء فيه بعد ذكر ولادة إسماعيل له ووعد الله بتكثير نسله وبكونهم يسكنون أمام جميع إخوتهم ١٧ : ٨ ( أعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا وأكون إلههم ) فهذا وذاك يدلان على أن العرب أولى أولاد إبراهيم بأن يكونوا أول من تناولهم العهد والميثاق، والوفاء الأبدي لا يتحقق إلا به.
والأمر كذلك فقد أصبحت تلكم البلاد كلها عربية محضة. وليس فيه بعد ذكر ولادة إسحاق وعد لإبراهيم مثل هذا ببلاد ولا بأرض. ولكن فيه أنه يقيم معه عهدا أبديا لنسله، وأن هذا العهد لإسحاق دون إسماعيل فما هذا العهد ؟ إن كان عهد النبوة فالواقع إنها ليست أبدية في نسل إسحاق لأنها انقطعت بالفعل منهم من زهاء ألفي سنة. وكان خاتم النبيين من ولد إسماعيل. وإن كان عهد امتلاك الأرض المقدسة فهو لم يكن أبديا فيهم لأنها نزعت منهم قبل العرب ثم أخذها العرب وصارت لهم بالامتلاك السياسي ثم بالامتلاك الطبيعي، إذ غلبوا على سائر العناصر التي كانت فيها وأدغموها في عنصرهم المبارك الذي وعد الله إبراهيم بأن يباركه ويثمره ويكثره جدا جدا ويجعله أمة كبيرة ( راجع ١٧ : ١٨ من سفر التكوين ) نعم إن الفصل الرابع والثلاثين من سفر العدد صريح في أمر نبي إسرائيل بدخول أرض كنعان واقتسامها بين أسباط بني إسرائيل. وهذا حق قد وقع فلا مراء فيه، وهو يوافق ما قلناه قبل من أن بني إسرائيل يكون لهم حظ في تلك البلاد في وقت ما، وأن وعد الله لإبراهيم صلى الله عليه وسلم يشمل ذلك، ولكنه ليس خاصا بهم، ولا هم اولى به من أولاد عمهم العرب، بل هؤلاء هم الأولى كما حصل بالفعل وكان وعد الله مفعولا.
يوضح هذا ما نقله كاتب سفر تثنية الاشتراع عن موسى صلى الله عليه وسلم وهو ١ : ٦ ( الرب إلهنا كلمنا في حوريب قائلا : كفاكم قعودا في هذا الجبل ٧ تحولوا وارتحلوا وادخلوا جبل الأموريين وكل ما يليه من الغربة ( وفي الترجمة اليسوعية القفر ) والجبل السهل والجنوب وساحل البحر أرض الكنعاني ولبنان إلى النهر الكبير نهر بالفرات ٨ انظروا قد جعلت أمامكم الأرض. ادخلوا وتملكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيها لهم ولنسلهم من بعدهم ) وأعاد التذكير بهذا الوعد في الفصل الثالث من هذا السفر، وهذا النص هو المراد من الآية التي نفسرها، ليس في العبارة شيء يدل على الاختصاص ولا التأبيد. ويدخل في عموم نسل إبراهيم نسل ولده إسماعيل.
وأما ذكر إسحاق ويعقوب هنا فلأن الرب ذكرهما بوعده لإبراهيم أبيهما وأكده لهما ولنسلهما. ولكن ليس فيه ذكر التأبيد ( تك ٢٦ و٢٨ ) كما سبق في وعده لإبراهيم، فالوعد المؤكد المؤبد إنما كان لإبراهيم، ولم يصدق إلا بمجموع نسله وهم العرب والإسرائيليون.
ومما يجب التنبيه إليه أن ذكر الرب لإسحاق ما وعد به أباه إبراهيم من إعطاء نسله تلك البلاد معلل بحفظ أوامره وفرائضه وشرائعه ( تك ٢٦ : ٥ وخر ١٣ ) وهو عين الوعد الذي ذكره ليعقوب في المنام في الفصل ال ٢٨ وإن لم يذكر هنالك التعليل. وهو يدل على انتفاء المعلول بانتفاء علته. وتحرير هذا المعنى هو الذي أوحاه الله تعالى إلى خاتم رسله محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم بقوله في سورة الإسراء التي تسمى أيضا سورة بني إسرائيل وملخصه أنهم يفسدون في الأرض مرتين قبل الإسلام، فيسلط عليهم كل مرة من يذلهم ويستولي على مدينتهم ومسجدهم ويتبروا ما استولوا عليه منهما تتبيرا، وقد كان ذلك. ثم قال " عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا " –الإسراء ٨- قال المفسرون وقد عادوا وعاد انتقام العدل الإلهي منهم. فسلط الله عليهم الروم قبل المسيحية وبعدها ثم المسلمين، ومزقوا في الأرض كل ممزق.
وتدل بعض الآيات على أن الملك لا يعود لهم، ولولا ذلك لكانت آية :" عسى ربكم " أرجى الآيات لهم. لأنها تدل على أن الأمر يدور مع العلة وجودا وعدما، وإنهم إن عادوا إلى الإيمان الصحيح والإصلاح يعود إليهم ما فقد منهم. ولا يتحقق هذا إلا بالإسلام، فإن أسلموا واتحدوا ببني عمهم العرب يملكون كل هذه البلاد وغيرها، ولكن الرجاء في هذا بعيد في هذا العصر، لأن الإسرائيليين شديدو التقليد والجمود في جنسيتهم النسبية والدينية، وهذا العصر عصر العصبية الجنسية للأقوام، حتى أن كثيرا من شعوب المسلمين يحلون رابطتهم الدينية، لأجل شد عروة الرابطة اللغوية، وإن لم تكن لهم لغات ذات أثر يحرص عليها، بل منهم من تكلف تدوين لغاتهم وتأسيسها لأنها لم تكن لغات علم وكتاب. ثم إن أمر الدنيا غالب فيه على أمر الدين. واليهود يريدون أن يعيدوا ملكهم لهذه البلاد بتكوين وتأسيس جديد، ويستعينون عليه بالمال وطرق العمران الحديثة :

فيا دارها بالخيف إن مزارها قريب، ولكن دون ذلك أهوال
فإن الشعوب النصرانية ودولها القوية تعارضهم في التغلب على بيت المقدس. والعرب أصحاب الأرض كلها لا يتركونها لهم غنيمة باردة، ولا تغني عنهم الوسائل الرسمية والمكايدة. وإنما الذي يغني ويقني، هو الاتفاق مع العرب على العمران، فإن البلاد تسع من السكان أضعاف من فيها الآن.
ويؤيد التعليل الذي بيناه أخيرا هذا النهي الذي عطف على الأمر بدخول الأرض المقدسة وهو " ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين " على أحد الوجهين في تفسيره، وهو : لا ترجعوا عما جئتكم به من التوحيد والعدل والهدى، إلى الوثنية أو الفساد في الأرض بالظلم والبغي واتباع الهوى، فيكون هذا الرجوع إلى الوراء انقلابَ خسرانٍ تخسرون فيه هذه النعم، ومنها الأرض المقدسة التي ستعطونها جزاء على شكر النعم التي تقدمتها، فتعود الدولة فيها لأعدائكم، وذلك أن شكر النعم مدعاة المزيد منها، وكفرها مدعاة سلبها وزوالها، والوجه الآخر في الارتداد على الأدبار : النكوص عن دخولها والجبن عن قتال من فيها من الوثنيين، وقد فرض الله عليهم قتالهم، والخسران على هذا قيل هو خسران ثواب الجهاد، وخيبة الأمل في امتلاك البلاد، والذي أجزم به أن المراد بالخسران : تحريم الأرض المقدسة على المخاطبين وحرمانهم من خيراتها وبركتها التي ورد بعض أوصافها أنها " تفيض لبنا وعسلا "، فإن هذا الخسران هو الذي وقع بالفعل وبينه الله في الكتاب، فلا معدل عنه.
ولا يعارضه كون الله تعالى كتبها لهم، فإن هذه المكاتبة ليست لأولئك الأفراد بأعيانهم وإنما هي لشعبهم وأمتهم. ومثل هذا الخطاب الذي يوجه إلى الأمم والأقوام معهود في عرف الناس ولغاتهم : يسند إلى بعض الحاضرين المخاطبين، ما كان من أعمال سلفهم الغابرين، ويبشرون أو يوعدون بما لا يكون إلا لخلفهم الآتين، كبشارة النبي، صلى الله عليه وسلم لقومه بأنهم سيفتحون القسطنطينية قبيل قيام الساعة. على أن الله حرمها على جمهور الذين خالفوا وعصوا أمر موسى بدخولها، ولما دخلوها بعد التيه كان قد بقي من الذين خوطبوا بأنها كتبت لهم بقية، فقال بعض المفسرين إن كونها كتبت لأولئك المخاطبين بأعيانهم يصدق بهؤلاء، من باب إطلاق العام وإرادة الخاص. ولكن الأسلوب الفصيح يأبى هذا التوجه اللفظي كل الإباء. وقال السدي إن المراد بالكتابة هنا الأمر فمعنى " كتب الله لكم " أمركم بدخولها. وهو بعيد أيضا. والمتبادر أنه كتب لهم ذلك في الكتاب وما أوحاه إلى آبائهم، ويؤيده الواقع، ولولاه لكان المعنى كتب لكم ذلك في علمه، أي أثبته بقضائه وقدره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ذكرنا قبل أن هذه القصة مفصلة من فصلين الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد، وذكرنا شيئا منها. وفي الفصل الرابع عشر أن بني إسرائيل لما تمردوا وعصوا أمر ربهم سقط موسى وهارون على وجوههما أمامهم، وأن يوشع والكالب مزقا ثيابهما ونهيا الشعب عن التمرد وعن الخوف من الجبارين ليطيع، فهم الشعب برجمهما، وظهر مجد الرب لموسى في خيمة الاجتماع ( ١١ قال الرب لموسى : حتى متى يهينني هذا الشعب ؟ وحتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم ١٢ ؟ إني أضربهم بالوباء وأبيدهم وأصيرك شعبا أكبر وأعظم منهم ) فشفع موسى فيهم لئلا يشمت بهم المصريون وبه، قبل الرب شفاعته ثم قال :( ٢٢ إن جميع الرجال الذين رأوا مجدي وآياتي التي عملتها في مصر وفي البرية جربوني الآن عشر مرات ولم يسمعوا قولي ٢٣ لن يروا الأرض التي حلفت لآبائهم، وجميع الذين أهانوني لا يرونها ) استثنى الرب كالب فقط. ثم قال لموسى وهارون :( ٢٧ حتى متى أغفر لهذه الجماعة الشريرة المتذمرة علي ؟ قد سمعت تذمر بني إسرائيل الذي يتذمرونه علي ٢٨ قال لهم :" حي أنا " يقول الرب : لأفعلن بكم كما تكلمتم في أذني ٢٩ في هذا القفر تسقط جثثكم جميع المعدودين منكم حسب عددكم من ابن عشرين سنة فصاعدا الذين تذمروا علي ٣٠ لن تدخلوا الأرض التي رفعت يدي لأسكننكم فيها ماعدا كالب بن يفنة ويشوع بن نون ٣١ وأما أطفالكم الذين قلتم إنهم يكونون غنيمة فإني سأدخلهم فيعرفون الأرض التي احتقرتموها ٣٢ فجثثكم أنتم تسقط في هذا القفر ٣٣ وبنوكم يكونون رعاة في القفر أربعين سنة، ويحملون فجوركم حتى تفنى جثثكم في القفر ٣٤ كعدد الأيام التي تجسستم فيها الأرض أربعين يوما للسنة يوم تحملون ذنوبكم أربعين سنة فتعرفون ابتعادي ٣٥ أنا الرب قد تكلمت لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة علي في هذا القفر يفنون، وفيه يموتون ).
لا نبحث هنا في هذه العبارات التي أثبتناها، ولا في ترك ما تركناه من الفصل في موضوعها، لا من حيث التكرار، ولا من حيث الاختلاف والتعارض، ولا من حيث تنزيه الرب تعالى، ولا نبحث عن كاتب هذه الأسفار بعد سبي بني إسرائيل. وإنما نكتفي بما ذكرناه شاهدا، ونقول كلمة في حكمة هذا العقاب، تبصرة وذكرى لأولي الألباب، وهي :
إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد، وتساس بالظلم والاضطهاد، تفسد أخلاقها، وتذل نفوسها، ويذهب بأسها، وتضرب عليها الذلة والمسكنة، وتألف الخضوع، وتأنس بالمهانة والخنوع، وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة، حتى تكون كالغرائز الفطرية، والطبائع الخلقية، إذا أخرجت صاحبها من بيئتها، ورفعت عن رقبته نيرها، ألفيته ينزع بطبعه إليها، ويتفلت إليك ليقتحم فيها، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه ويجرون عليه من خير وشر، وإيمان وكفر، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالا لهدايته وضلال الراسخين في الكفر من أمة الدعوة فقال :( مثلي ومثلكم كمثالي رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، ويجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقحمون فيها )١ رواه الشيخان.
أفسد ظلم الفراعنة فطرة بني إسرائيل في مصر، وطبع عليها بطابع المهانة والذل وقد أراهم الله تعالى ما لم ير أحدا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى عليه السلام، وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل والعبودية والعذاب، إلى الحرية والاستقلال والعز والنعيم، وكانوا على هذا كله إذا أصابهم نصب أو جوع، أو كلفوا أمرا يشق عليهم، يتطيرون بموسى ويتململون منه، ويذكرون مصر ويحنون إلى العودة إليها، ولما غاب عنهم أياما لمناجاة ربه اتخذوا لهم عجلا من حليهم الذي هو أحب شيء إليهم وعبدوه ! لما رسخ في نفوسهم من إكبار سادتهم المصريين واعظام معبودهم العجل ( أبيس ) وكان الله تعالى يعلم إنهم لا تطيعهم نفوسهم المهينة على دخول أرض الجبارين، وأن وعده تعالى لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته في طبيعة الاجتماع البشري إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية للبشر وفساد الأخلاق، ونشأ بعده جيل جديد في حربة البداوة، وعدل الشريعة ونور الآيات الإلهية، وما كان الله ليهلك قوما بذنوبهم، حتى يبين لهم حجته عليهم، ليعلموا أنه لم يظلمهم وإنما يظلمون أنفسهم، وعلى هذه السنة العادلة أمر الله تعالى بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة، بعد أن أراهم عجائب تأييده لرسوله إليهم، فأبوا واستكبروا فأخذهم الله تعالى بذنوبهم، وأنشأ من بعدهم قوما آخرين، جعلهم هم الأئمة والوارثين، جعلهم كذلك بهممهم وأعمالهم، الموافقة لسننه وشريعته المنزلة عليهم – فهذا بيان حكمة عصيانهم لموسى بعد ما جاءهم بالبينات، وحكمة حرمان الله تعالى لذلك الجيل منهم من الأرض المقدسة.
فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي بينها الله تعالى لنا، ونعلم أن إصلاح الأمم بعد فسادها بالظلم والاستبداد، إنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها، وقد كان يقوم بهذا في العصور السالفة الأنبياء، وإنما يقوم بها بعد ختم النبوة ورثة الأنبياء. الجامعون بين العلم بسنن الله في الاجتماع، وبين البصيرة والصدق والإخلاص في حب الإصلاح، وإيثاره على جميع الأهواء والشهوات، ومن يضلل الله فما له من هاد.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير