قَالَ الدُّكْتُورُ بُوسْتُ فِي قَامُوسِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ: اخْتُصَّ اسْمُ فِلَسْطِينَ أَوَّلًا بِأَرْضِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ أَرْضِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ غَرْبِيَّ الْأُرْدُنِّ، فَكَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا فِي الْأَصْلِ اسْمُ كَنْعَانَ، وَكَانَتْ فِلَسْطِينُ مَعْرُوفَةً أَيْضًا بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَرْضِ إِسْرَائِيلَ، وَأَرْضِ الْمَوْعِدِ، وَالْيَهُودِيَّةِ، وَهِيَ وَاقِعَةٌ عَلَى الشَّاطِئِ الشَّرْقِيِّ لِلْبَحْرِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ سُهُولِ النَّهْرَيْنِ (الدَّجْلَةِ وَالْفُرَاتِ) وَالْبَحْرِ الْمَذْكُورِ، وَبَيْنَ مُلْتَقَى قَارَّتَيْ آسِيَةَ وَإِفْرِيقِيَّةَ، وَهِيَ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ أَشُورَ وَمِصْرَ وَبِلَادِ الْيُونَانِ وَالْفُرْسِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَيَعْسُرُ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ حُدُودِ فِلَسْطِينَ، فَإِنَّهُ مَعَ دِقَّةِ الشَّرْحِ عَنِ التُّخُومِ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ سِبْطٍ وَآخَرَ لَمْ يُشْرَحْ لَنَا فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ شَرْحًا مُسْتَوْفًى، تَتَمَيَّزُ بِهِ تُخُومُ فِلَسْطِينَ عَنْ تُخُومِ الْأُمَمِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا، وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ التُّخُومَ كَانَتْ تَتَغَيَّرُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ، أَمَّا الْأَرْضُ الْمَوْعُودُ بِهَا لِإِبْرَاهِيمَ وَالْمَوْصُوفَةُ فِي كِتَابَاتِ مُوسَى فَكَانَتْ تَمْتَدُّ مِنْ جَبَلِ هُورٍ إِلَى مَدْخَلِ حَمَاهْ، وَمِنْ نَهْرِ مِصْرَ الْعَرِيشِ " إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ " (تك ١٥: ١٨ وعد ٣٤: ٢ - ١٢ وتث ١: ١٧) وَأَكْثَرُ هَذِهِ
الْأَرَاضِي كَانَتْ تَحْتَ سُلْطَةِ سُلَيْمَانَ، فَكَانَ التَّخْمُ الشَّمَالِيُّ حِينَئِذٍ سُورِيَّةَ، وَالشَّرْقِيُّ الْفُرَاتَ وَالْبَرِّيَّةَ السُّورِيَّةَ، وَالْجَنُوبِيُّ بَرِّيَّةَ التِّيهِ وَأَدُومَ، وَالْغَرْبِيُّ الْبَحْرَ الْمُتَوَسِّطَ. انْتَهَى بِنَصِّهِ، مَعَ اخْتِصَارٍ حُذِفَ بِهِ أَكْثَرُ الشَّوَاهِدِ، وَلَا حَاجَةَ لَنَا بِغَيْرِ الْأَخِيرَةِ مِنْهَا، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) يُرِيدُ بِهِ مُوسَى مَا وَعَدَ اللهُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، يَعْنِي: كَتَبَ لَهُمُ الْحَقَّ فِي سُكْنَى تِلْكَ الْبِلَادِ الْمُقَدَّسَةِ، بِحَسَبِ ذَلِكَ الْوَعْدِ، أَوْ فِي عِلْمِهِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا كُلُّهَا تَكُونُ مِلْكًا لَهُمْ دَائِمًا، أَوْ لَا يُزَاحِمُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ ; لِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْوَاقِعِ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ. فَاسْتِنْبَاطُ الْيَهُودِ مِنْ ذَلِكَ الْوَعْدِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعُودَ لَهُمُ الْمُلْكُ فِي الْبِلَادِ الْمُقَدَّسَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَحْسُنُ هُنَا أَنْ نَذْكُرَ نَصَّ التَّوْرَاةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ الْآنَ فِي هَذَا الْوَعْدِ. جَاءَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ أَنَّهُ لَمَّا مَرَّ إِبْرَاهِيمُ بِأَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ ظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ (١٢: ٧ وَقَالَ لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ) وَجَاءَ فِيهِ أَيْضًا مَا نَصُّهُ (١٥: ١٨ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ إِبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلًا: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ) وَهَذَا الْوَعْدُ ذُكِرَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ قَبْلَ ذِكْرِ وِلَادَةِ إِسْمَاعِيلَ، وَجَاءَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ وِلَادَةِ إِسْمَاعِيلَ لَهُ، وَوَعْدِ اللهِ بِتَكْثِيرٍ نَسْلِهِ، وَبِكَوْنِهِمْ يَسْكُنُونَ أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِمْ (١٧: ٨ وَأُعْطِي لَكَ، وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا، وَأَكُونُ إِلَهَهُمْ) فَهَذَا وَذَاكَ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ أَوْلَى أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ تَنَاوَلَهُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، وَالْوَفَاءُ الْأَبَدِيُّ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِهِ. وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ كُلُّهَا عَرَبِيَّةً مَحْضَةً.
وَلَيْسَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ وِلَادَةِ إِسْحَاقَ وَعْدٌ لِإِبْرَاهِيمَ مِثْلُ هَذَا بِبِلَادٍ وَلَا بِأَرْضٍ، وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ يُقِيمُ مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْعَهْدَ لِإِسْحَاقَ دُونَ إِسْمَاعِيلَ، فَمَا هَذَا الْعَهْدُ؟
إِنْ كَانَ عَهْدَ النُّبُوَّةِ، فَالْوَاقِعُ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَبَدِيَّةً فِي نَسْلِ إِسْحَاقَ ; لِأَنَّهَا انْقَطَعَتْ بِالْفِعْلِ مِنْهُمْ مَنْ زُهَاءِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، وَكَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَإِنْ كَانَ عَهْدَ امْتِلَاكِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَهُوَ لَمْ يَكُنْ أَبَدِيًّا فِيهِمْ ; لِأَنَّهَا نُزِعَتْ مِنْهُمْ قَبْلَ الْعَرَبِ، ثُمَّ أَخَذَهَا الْعَرَبُ، وَصَارَتْ لَهُمْ بِالِامْتِلَاكِ السِّيَاسِيِّ، ثُمَّ بِالِامْتِلَاكِ الطَّبِيعِيِّ؛ إِذْ غَلَبُوا عَلَى سَائِرِ الْعَنَاصِرِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا، وَأَدْغَمُوهَا فِي عُنْصُرِهِمُ الْمُبَارَكِ، الَّذِي وَعَدَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ
يُبَارِكَهُ وَيُثَمِّرَهُ، وَيُكَثِّرَهُ جِدًّا جِدًّا، وَيَجْعَلَهُ أُمَّةً كَبِيرَةً (رَاجِعْ ١٧: ١٨ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ).
نَعَمْ إِنَّ الْفَصْلَ الرَّابِعَ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ سِفْرِ الْعَدَدِ صَرِيحٌ فِي أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِدُخُولِ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَاقْتِسَامِهَا بَيْنَ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذَا حَقٌّ قَدْ وَقَعَ، فَلَا مِرَاءَ فِيهِ، وَهُوَ يُوَافِقُ مَا قُلْنَاهُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَكُونُ لَهُمْ حَظٌّ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فِي وَقْتٍ مَا، وَأَنَّ وَعْدَ اللهِ لِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِهِمْ، وَلَا هُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَوْلَادِ عَمِّهِمُ الْعَرَبِ، بَلْ هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَوْلَى كَمَا حَصَلَ بِالْفِعْلِ، وَكَانَ وَعْدُ اللهِ مَفْعُولًا.
يُوَضِّحُ هَذَا مَا نَقَلَهُ كَاتِبُ سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ عَنْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ (١: ٦ الرَّبُّ إِلَهُنَا كَلَّمَنَا فِي حُورِيبَ قَائِلًا: كَفَاكُمْ قُعُودًا فِي هَذَا الْجَبَلِ ٧ تَحَوَّلُوا وَارْتَحِلُوا، وَادْخُلُوا جَبَلَ الْأَمُورِيِّينَ، وَكُلَّ مَا يَلِيهُ مِنَ الْعَرَبَةِ (وَفِي التَّرْجَمَةِ الْيَسُوعِيَّةِ الْقَفْرِ) وَالْجَبَلِ وَالسَّهْلِ وَالْجَنُوبِ وَسَاحِلِ الْبَحْرِ أَرْضِ الْكَنْعَانِيِّ، وَلُبْنَانَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ ٨٠ انْظُرُوا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكُمُ الْأَرْضَ، ادْخُلُوا وَتَمَلَّكُوا الْأَرْضَ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لِآبَائِكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ) وَأَعَادَ التَّذْكِيرَ بِهَذَا الْوَعْدِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا السِّفْرِ، وَهَذَا النَّصُّ هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا، وَلَيْسَ فِي الْعِبَارَةِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَلَا التَّأْبِيدِ، وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ نَسْلُ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ.
وَأَمَّا ذِكْرُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ هُنَا ; فَلِأَنَّ الرَّبَّ ذَكَّرَهُمَا بِوَعْدِهِ لِإِبْرَاهِيمَ أَبِيهِمَا، وَأَكَّدَهُ لَهُمَا وَلِنَسْلِهِمَا، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّأْيِيدِ (تَك ٢٦ و٢٨) كَمَا سَبَقَ فِي وَعْدٍ لِإِبْرَاهِيمَ، فَالْوَعْدُ الْمُؤَكَّدُ الْمُؤَبَّدُ إِنَّمَا كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَصْدُقْ إِلَّا بِمَجْمُوعِ نَسْلِهِ، وَهُمُ الْعَرَبُ وَالْإِسْرَائِيلِيُّونَ.
وَمِمَّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ إِلَيْهِ أَنَّ ذِكْرَ الرَّبِّ لِإِسْحَاقَ مَا وَعَدَ بِهِ أَبَاهُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ إِعْطَاءِ نَسْلِهِ تِلْكَ الْبِلَادَ مُعَلَّلٌ بِحِفْظِ أَوَامِرِهِ وَفَرَائِضِهِ وَشَرَائِعِهِ (تك ٢٦: ٥ وخر ١٣) وَهُوَ عَيْنُ الْوَعْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ لِيَعْقُوبَ فِي الْمَنَامِ فِي الْفَصْلِ الْـ ٢٨، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ هُنَالِكَ التَّعْدِيلُ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَعْلُولِ بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، وَتَحْرِيرُ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي أَوْحَاهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى خَاتَمِ رُسُلِهِ مُحَمَّدٍ
النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ الَّتِي تُسَمَّى
أَيْضًا سُورَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمُلَخَّصُهُ: أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَيُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ كُلَّ مَرَّةٍ مِنْ يُذِلُّهُمْ وَيَسْتَوْلِي عَلَى مَدِينَتِهِمْ وَمَسْجِدِهِمْ، وَيُتَبِّرُوا مَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنْهُمَا تَتْبِيرًا، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ١٧: ٨) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَقَدْ عَادُوا، وَعَادَ انْتِقَامُ الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ مِنْهُمْ، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرُّومَ قَبْلَ الْمَسِيحِيَّةِ وَبَعْدَهَا، ثُمَّ الْمُسْلِمِينَ، وَمُزِّقُوا فِي الْأَرْضِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَتَدُلُّ بَعْضُ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ الْمُلْكَ لَا يَعُودُ إِلَيْهِمْ، ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ آيَةُ (عَسَى رَبُّكُمْ) أَرْجَى الْآيَاتِ لَهُمْ ; لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وَجُودًا وَعَدَمًا، وَأَنَّهُمْ إِنْ عَادُوا إِلَى الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالْإِصْلَاحِ يَعُودُ إِلَيْهِمْ مَا فُقِدَ مِنْهُمْ، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا إِلَّا بِالْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا وَاتَّحَدُوا بِبَنِي عَمِّهِمُ الْعَرَبِ يَمْلِكُونَ كُلَّ هَذِهِ الْبِلَادِ وَغَيْرَهَا، وَلَكِنَّ الرَّجَاءَ فِي هَذَا بِعِيدٌ فِي هَذَا الْعَصْرِ ; لِأَنَّ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ شَدِيدُو التَّقْلِيدِ وَالْجُمُودِ فِي جِنْسِيَّتِهِمُ النَّسَبِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَهَذَا الْعَصْرُ عَصْرُ الْعَصَبِيَّةِ الْجِنْسِيَّةِ لِلْأَقْوَامِ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ شُعُوبِ الْمُسْلِمِينَ يَحِلُّونَ رَابِطَتَهُمُ الدِّينِيَّةَ لِأَجْلِ شَدِّ عُرْوَةَ الرَّابِطَةِ اللُّغَوِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ لُغَاتٌ ذَاتُ آثَارٍ يُحْرَصُ عَلَيْهَا، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَتَكَلَّفُونَ تَدْوِينَ لُغَاتِهِمْ وَتَأْسِيسَهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لُغَاتِ عِلْمٍ وَكِتَابٍ، ثُمَّ إِنَّ أَمْرَ الدُّنْيَا غَالِبٌ فِيهِ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ، وَالْيَهُودُ يُرِيدُونَ أَنْ يُعِيدُوا مُلْكَهُمْ لِهَذِهِ الْبِلَادِ بِتَكْوِينٍ وَتَأْسِيسٍ جَدِيدٍ، وَيَسْتَعِينُونَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَطُرُقِ الْعُمْرَانِ الْحَدِيثَةِ.
فَيَا دَارُهَا بِالْخِيفِ إِنَّ مَزَارَهَا قَرِيبٌ وَلَكِنْ دُونُ ذَلِكَ أَهْوَالُ فَإِنَّ الشُّعُوبَ النَّصْرَانِيَّةَ وَدُوَلَهَا الْقَوِيَّةَ تُعَارِضُهُمْ فِي التَّغَلُّبِ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَالْعَرَبُ أَصْحَابُ الْأَرْضِ كُلِّهَا لَا يَتْرُكُونَهَا لَهُمْ غَنِيمَةً بَارِدَةً، وَلَا تُغْنِي عَنْهُمُ الْوَسَائِلُ الرَّسْمِيَّةُ وَالْمُكَايَدَةُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُغْنِي وَيُقْنِي هُوَ الِاتِّفَاقُ مَعَ الْعَرَبِ عَلَى الْعُمْرَانِ ; فَإِنَّ الْبِلَادَ تَسَعُ مِنَ السُّكَّانِ أَضْعَافَ مَنْ فِيهَا الْآنَ.
وَيُؤَيِّدُ التَّعْلِيلَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ أَخِيرًا هَذَا النَّهْيُ الَّذِي عُطِفَ عَلَى الْأَمْرِ بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَهُوَ (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ: لَا تَرْجِعُوا عَمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ، مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ وَالْهُدَى إِلَى الْوَثَنِيَّةِ أَوِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِالظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى ; فَيَكُونَ هَذَا الرُّجُوعُ إِلَى
الْوَرَاءِ انْقِلَابَ خُسْرَانٍ تَخْسَرُونَ فِيهِ هَذِهِ النِّعَمَ، وَمِنْهَا الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي سَتُعْطَوْنَهَا جَزَاءً عَلَى شُكْرِ النِّعَمِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهَا، فَتَعُودُ الدَّوْلَةُ فِيهَا لِأَعْدَائِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ شُكْرَ النِّعَمِ مَدْعَاةُ الْمَزِيدِ مِنْهَا، وَكُفْرَهَا مَدْعَاةُ سَلْبِهَا وَزَوَالِهَا، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ فِي الِارْتِدَادِ عَلَى الْأَدْبَارِ النُّكُوصُ عَنْ دُخُولِهَا، وَالْجُبْنُ عَنْ قِتَالِ مَنْ فِيهَا مِنَ الْوَثَنِيِّينَ، وَقَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ قِتَالَهُمْ، وَالْخُسْرَانُ عَلَى هَذَا قِيلَ هُوَ
خُسْرَانُ ثَوَابِ الْجِهَادِ، وَخَيْبَةُ الْأَمَلِ فِي امْتِلَاكِ الْبِلَادِ، وَالَّذِي أَجْزِمُ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُسْرَانِ تَحْرِيمُ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ وَحِرْمَانُهُمْ مِنْ خَيْرَاتِهَا الَّتِي وَرَدَ فِي بَعْضِ أَوْصَافِهَا أَنَّهَا " تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا "، وَعِقَابُهُمْ بِالتِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يَنْقَرِضُ فِيهَا الْمُرْتَدُّونَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ، كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنَّ هَذَا الْخُسْرَانَ هُوَ الَّذِي وَقَعَ بِالْفِعْلِ، وَبَيَّنَهُ اللهُ فِي الْكِتَابِ، فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ كَوْنُ اللهِ تَعَالَى كَتَبَهَا لَهُمْ ; فَإِنَّ هَذِهِ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ لِأُولَئِكَ الْأَفْرَادِ بِأَعْيَانِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ لِشَعْبِهِمْ وَأُمَّتِهِمْ، وَمِثْلُ هَذَا الْخِطَابِ الَّذِي يُوَجَّهُ إِلَى الْأُمَمِ وَالْأَقْوَامِ مَعْهُودٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَلُغَاتِهِمْ، يُسْنَدُ إِلَى الْحَاضِرِينَ الْمُخَاطَبِينَ مَا كَانَ مِنْ أَعْمَالِ سَلَفِهِمِ الْغَابِرِينَ، وَيُبَشَّرُونَ أَوْ يُوعَدُونَ بِمَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِخَلَفِهِمُ الْآتِينَ، كَبِشَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمِهِ بِأَنَّهُمْ سَيَفْتَحُونَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، قُبَيْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ. عَلَى أَنَّ اللهَ حَرَّمَهَا عَلَى جُمْهُورِ الَّذِينَ خَالَفُوا وَعَصَوْا أَمْرَ مُوسَى بِدُخُولِهَا، وَلَمَّا دَخَلُوهَا بَعْدَ التِّيهِ كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِأَنَّهَا كُتِبَتْ لَهُمْ بَقِيَّةٌ. فَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ كَوْنَهَا كُتِبَتْ لِأُولَئِكَ الْمُخَاطَبِينَ بِأَعْيَانِهِمْ يَصْدُقُ بِهَؤُلَاءِ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ، وَلَكِنَّ الْأُسْلُوبَ الْفَصِيحَ يَأْبَى هَذَا التَّوْجِيهَ اللَّفْظِيَّ كُلَّ الْإِبَاءِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابَةِ هُنَا الْأَمْرُ، فَمَعْنَى " كَتَبَ اللهُ لَكُمْ " أَمَرَكُمْ بِدُخُولِهَا، وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا، وَالْمُتَبَادِرُ أَنَّهُ كَتَبَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَمَا أَوْحَاهُ إِلَى آبَائِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ الْوَاقِعُ، وَلَوْلَاهُ لَكَانَ الْمَعْنَى كَتَبَ لَكُمْ ذَلِكَ فِي عِلْمِهِ ; أَيْ أَثْبَتَهُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ.
(قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) كَانَ اسْتِعْبَادُ الْمِصْرِيِّينَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَذَلَّهُمْ وَأَفْسَدَ عَلَيْهِمْ بَأْسَهُمْ، وَكَانَ بَنُو عَنَاقٍ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ أَمَامَهُمْ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ
أُولِي قُوَّةٍ وَأُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَكَانُوا كِبَارَ الْأَجْسَامِ، طِوَالَ الْقَامَاتِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ كَلِمَةِ " جَبَّارِينَ ".
فَالْجَبَّارُ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الطَّوِيلِ الْقَوِيِّ وَالْمُتَكَبِّرِ وَالْقَتَّالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْعَاتِي الْمُتَمَرِّدِ، وَالَّذِي يَجْبُرُ غَيْرَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَالْقَاهِرِ الْمُتَسَلِّطِ، وَالْمَلِكِ الْعَاتِي، وَكُلُّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ ; أَيْ طَوِيلَةٌ، لَا يُنَالُ ثَمَرُهَا بِالْأَيْدِي، وَإِنْ عَدَّ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَا مِنَ الْمَجَازِ فِي أَسَاسِهِ ; لِأَنَّ الصِّيغَةَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ لِاسْمِ الْفَاعِلِ، مِنْ جَبَرَهُ عَلَى الشَّيْءِ ; كَأَجْبَرَهُ. وَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَلْفَاظِ أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لِلْأَجْسَامِ وَلِمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، وَيَتَفَرَّعُ عَنْهَا مَا وُضِعَ لِلْمَعَانِي، وَمَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَقَدْ رَجَعْتُ بَعْدَ جَزْمِي بِمَا ذَكَرْتُ إِلَى لِسَانِ الْعَرَبِ، فَإِذَا هُوَ يَنْقُلُ مِثْلَهُ وَمَا يُؤَيِّدُهُ. ذَكَرَ الْآيَةَ وَقَالَ: قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَرَادَ الطُّولَ وَالْقُوَّةَ وَالْعِظَمَ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: كَأَنَّهُ ذَهَبَ بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ مِنَ النَّخِيلِ، وَهُوَ الطَّوِيلُ الَّذِي فَاتَ يَدَ التَّنَاوُلِ، وَيُقَالُ جَبَّارٌ إِذَا كَانَ طَوِيلًا عَظِيمًا قَوِيًّا، تَشْبِيهًا بِالْجَبَّارِ مِنَ النَّخْلِ. انْتَهَى، وَقَالَ الرَّاغِبُ:
أَصْلُ الْجَبْرِ إِصْلَاحُ الشَّيْءِ بِضَرْبٍ مِنَ الْقَهْرِ، يُقَالُ جَبَرْتُهُ فَانْجَبَرَ وَاجْتَبَرَ، وَقَدْ جَبَرْتُهُ فَجُبِرَ ; كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَجُبِرْ
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْجَبَّارُ فِي صِفَةِ الْإِنْسَانِ يُقَالُ لِمَنْ يَجْبُرُ نَقِيصَتَهُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّعَالِي لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَهَذَا لَا يُقَالُ إِلَّا عَلَى طَرِيقَةِ الذَّمِّ، وَذَكَرَ عِدَّةَ آيَاتٍ فِيهَا الْآيَةُ الَّتِي نُفَسِّرُهَا، ثُمَّ قَالَ: وَلِتَصَوُّرِ الْقَهْرِ بِالْعُلُوِّ عَلَى الْأَقْرَانِ قِيلَ نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ وَنَاقَةٌ جَبَّارَةٌ. انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ لِمَادَّةِ الْجَبْرِ، مَعْنَى الْعُلُوِّ وَالْقُوَّةِ وَمَعْنَى جَبْرِ الْكَسْرِ وَجَبْرِ الْجُرْحِ وَتَجْبِيرِهِ وَمَا أُخِذَ مِنْهُ ; كَجَبْرِ الْمُصِيبَةِ بِالتَّعْوِيضِ عَمَّا فُقِدَ، وَجَبْرِ الْفَقِيرِ بِإِغْنَائِهِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي تَدْخُلُ فِي مَعْنَى جَبَّارِ النَّخْلِ الَّذِي هُوَ الْقُوَّةُ وَالنَّمَاءُ وَالطُّولُ.
وَالْجَبَّارُ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى فِيهِ مَعْنَى الْعَظَمَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْعُلُوِّ عَلَى خَلْقِهِ، وَكَوْنُهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنَالَهُ أَحَدٌ بِتَأْثِيرٍ مَا، وَمَعْنَى جَبْرِ الْقَلْبِ الْكَسِيرِ، وَإِغْنَاءِ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ، وَمَعْنَى جَبْرِ الْخَلْقِ بِمَا وَضَعَهُ مِنَ السُّنَنِ الْحَكِيمَةِ وَالْمَقَادِيرِ الْمُنْتَظِمَةِ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنَ التَّدْبِيرِ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَهُوَ مِثْلُ اسْمِ الْمُتَكَبِّرِ مَدْحٌ لِلْخَالِقِ، وَذَمٌّ لِلْمَخْلُوقِ ; إِذْ لَيْسَ لِمَخْلُوقٍ أَنْ يُبَالِغَ فِي مَعْنَى الْجَبْرِ؛ وَهُوَ الْعَظَمَةُ وَالْعُلُوُّ وَالِامْتِنَاعُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ
يَتَكَبَّرَ بِأَنْ يُظْهِرَ لِلنَّاسِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ أَنَّهُ كَبِيرُ الشَّأْنِ، وَلَوْ بِالْحَقِّ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالْبَاطِلِ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْبَشَرِ! فَإِنَّ الْكَبِيرَ بِالْفِعْلِ لَا يَتَعَمَّدُ وَيَتَكَلَّفُ أَنْ يُظْهِرَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ كَبِيرٌ؛ وَإِنَّمَا يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وَيَتَوَخَّاهُ مَنْ يَشْعُرُ بِصَغَارِ نَفْسِهِ فِي بَاطِنِ سِرِّهِ، فَيَحْمِلُهُ حُبُّ الْعُلُوِّ عَلَى تَكَلُّفِ إِخْفَاءِ هَذَا الصَّغَارِ، بِمَا يَتَكَلَّفُهُ مِنْ إِظْهَارِ كِبْرِهِ، فَيَكُونُ مِنْ خُلُقِهِ أَلَّا يَخْضَعَ لِلْحَقِّ، وَلَا يُقَدِّرُ النَّاسَ قَدْرَهُمْ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِنَ الْحَقِّ وَمِنَ النَّاسِ، فَلَا يَرْضَى أَنْ يَكُونُوا فَوْقَهُ ; وَلِذَلِكَ فَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِبْرَ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ النَّقْصِ وَسَبَبُ الْمُؤَاخَذَةِ، فَقَالَ: " الْكِبْرُ مَنْ بَطِرَ الْحَقَّ وَغَمَطَ النَّاسَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَأَمَّا تَكَبُّرُ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ إِظْهَارُ كِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ لِعِبَادِهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَهُوَ عَلَى كَوْنِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَعْظَمُ تَرْبِيَةً وَتَغْذِيَةً لِإِيمَانِهِمْ، يُوَجِّهُ قُلُوبَهُمْ إِلَى الْكَمَالِ الْأَعْلَى ; فَيَقْوَى اسْتِعْدَادُهُمْ لِتَكْمِيلِ أَنْفُسِهِمْ وَعِرْفَانِهِمْ بِهَا، فَيَكُونُونَ أَحِقَّاءَ بِأَلَّا يَرْفَعُوهَا عَنْ مَكَانِهَا بِالْبَاطِلِ وَلَا يُسَفِّهُوهَا فَيَرْضَوْا لَهَا بِالْخَسَائِسِ. وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي تَفْسِيرِ كَلِمَةِ " جَبَّارِينَ " وَاسْتَطْرَدْنَا إِلَى اسْمِ الْجَبَّارِ وَالْمُتَكَبِّرِ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى ; لِمَا نَعْلَمُهُ مِنْ ضَلَالِ بَعْضِ النَّاسِ فِي فَهْمِ الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ.
أَمَّا مَا رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ مِنْ وَصْفِ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ، فَأَكْثَرُهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الْخُرَافِيَّةِ الَّتِي كَانَ يَبُثُّهَا الْيَهُودُ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَرَوَوْهَا مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ إِلَيْهِمْ ; كَقَوْلِهِمْ إِنَّ الْعُيُونَ
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني