ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

ويقول الحق من بعد ذلك :
يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين( ٢١ ) :
وهذا بلاغ من موسى بما أوحى الله به إليه، ومتى حدث ذلك ؟ نعرف أن صلة بني إسرائيل بمصر كانت منذ أيام يوسف عليه السلام، وعندما جاء يوسف بأبيه وإخوته وعاشوا بمصر وكونوا شيعة بني إسرائيل ومكن الله ليوسف في الأرض وعاشوا في تلك الفترة، والعجيب أن المس القرآني للأحداث التاريخية فيه دقة متناهية، ولم نعرف نحن تلك الأحداث إلا بعد مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر. فعندما جاءت تلك الحملة صحبت معها بعثة علمية، وكانت تلك البعثة تنقب عن المعلومات الأثرية ليتعرفوا على سر حضارة المصريين، وسر تقدم العرب القديم، الذي سبق أوربا بقرون، وأخذت منه أوربا العلوم والفنون، في حين صار هذا العالم العربي إلى غفلة.
إن العرب المسلمين هم الذين اخترعوا أشياء ذهل لها العالم الغربي، ويحكى لنا التاريخ عن هدية من أحد ملوك العرب إلى شارلمان ملك فرنسا وكانت الساعة دقاقة، وظن الناس من أهل فرنسا أن بهذه الساعة الدقاقة شيطانا، وفكرة تلك الساعة أن العالم الذي صممها وضع فيها إناء من الماء به ثقب صغير تنزل منه القطرة بثقلها على شيء يشبه عقرب الساعة، فتتحرك الساعة دقيقة واحدة من الزمن، وكانت الساعة تسير بنقطة الماء وكان ضبطها في منتهى الدقة وحين رآها الناس في بلاط شارلمان ملك فرنسا ظنوا أن بداخلها شياطين، وهذا نموذج من نماذج كثيرة لا حصر لها ولا وعدد تدخل في نطاق قوله الحق :
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ( من الآية٥٣سورة فصلت ).
وحينما جاء الفرنسيون إلى القاهرة كان معهم تلك البعثة العلمية ومعهم مطبعة، وعرض هؤلاء العلماء الفانوس السحري، وجعلوا الناس البسطاء يذهلون من تقدمهم العلمي، واستترت تلك الحملة بعروض أقرب إلى " الأكروبات " وكان عمل العلماء هو البحث عن سر حضارة المصريين والمسلمين، لأنهم يعلمون أن الحضارة الإسلامية انتقلت إلى مصر بالإضافة إلى حضارة المصريين القدماء.
لقد كانوا يعرضون ألعابهم السحرية العلمية بدرب الجماميز وذلك حتى ينبهر الناس بالحضارة الفرنسية، وكان علماؤهم في الوقت نفسه يكتشفون ما نقش على حجر رشيد، وهو الحجر الذي اكتشفه ضابط فرنسي شاب اسمه شامبليون، وعلى هذا الحجر كتبت الكلمات الهيروغليفية واستطاع شامبليون أن يفصل أسماء الأعلام الهيروغليفية ومن خلال ذلك استطاع أن يصل إلى أبجدية تلك اللغة، وكأن الله أراد أن يسخر الكافرين بمنهج الله ليؤيدوا منهج الله.
إن في كل لغة شيئا اسمه " منطق الأعلام " ومثال ذلك أن يوجد اسم رجل أو أمير أو إنسان فهذا الاسم مكون من حروف لا تتغير مثال ذلك نأخذه من اللغة الإنجليزية كان اسم رئيس وزراء انجلترا في وقت من الأوقات هو " تشرشل " هي كلمة إذا ترجمناها ترجمة حرفية لم تدل على صاحبها ولم تعرفنا به لأننا عندما نترجمها نكتفي بكتابة الاسم بالحروف العربية بدلا من اللاتينية.
إذن فالأعلام لا يتغير نطقها.
وكشف شامبليون عن الحروف التي لم تتغير، واهتدى إلى فك طلاسم حروف اللغة الهيروغليفية فعرف كيف يقرأ المكتوب على حجر رشيد، واستطاع أن يقدم لنا بدايات اكتشاف تاريخ مصر القديمة، واستطاع أن يقرأ اللغة المرسومة على ذلك الحجر.
ولنا أن نرى عظمة القرآن حينما تعرض للأقدمين تعرض لعاد وتعرض لثمود وتعرض لفرعون، تعرض لتلك الحضارات كلها في سورة الفجر فقال سبحانه وتعالى :
والفجر( ١ )وليال عشر( ٢ )والشفع والوتر( ٣ )والليل إذا يسر( ٤ )هل في ذلك قسم لذي حجر( ٥ )ألم تر كيف فعل ربك بعاد( ٦ )إرم ذات العماد( ٧ ) ( سورة الفجر ).
وإرم ذات العماد هي التي في الأحقاف في الجزيرة العربية ولم نكتشفها بعد، ولم نعرف عنها حتى الآن شيئا، وهي التي يقول عنها الحق :
التي لم يخلق مثلها في البلاد( ٨ ) ( سورة الفجر ). ثم يتكلم بعدها عن فرعون :
وفرعون ذي الأوتاد( ١٠ ) ( سورة الفجر ).
والأهرام أقيمت بالفعل على أوتاد، وكذلك المسلات المصرية القديمة والمعابد وغيرها من العجائب التي بهرت الناس في مختلف العصور.
{ التي لم يخلق مثلها في البلاد( ٨ ) )( سورة الفجر ). ثم جاء بحضارة ثمود :
{ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد( ٩ )ج( سورة الفجر ).
وقد رأينا هذه الحضارة التي كان الناس أثناءها ينحتون البيوت في الصخر، كما رأينا حضارة مصر، وحضارة عاد هي التي لم نرها حتى الآن، ولا بد أن تكون مطمورة تحت الأرض، ونعرف أن الهبة الرملية الواحدة عندما تهب في تلك المناطق تطمر القافلة كلها، فما بالنا بالقرون الطويلة التي مرت وهبت فيها آلاف العواصف الرملية، إذن لا بد أن ننقب كثيرا لنكتشف حضارة عاد والحق تكلم عن حضارة مصر القديمة فقال :( وفرعون ذي الأوتاد )، وعندما تكلم عن موسى عليه السلام تكلم أيضا عن المعاصرين له وكان أحد هؤلاء الفراعنة، فقال سبحانه لموسى ولأخيه هارون عليهما السلام :
اذهبا إلى فرعون إنه طغى( ٤٣ ) ( سورة طه ).
ويذهب موسى إلى فرعون حتى يخلص بني إسرائيل من ظلم فرعون ولماذا ظلمهم فرعون ؟ نحن نعرف أن كل سياسة تعقب سياسة سابقة عليها تحاول أن تطمس السياسة الأولى، وتعذب من نصروا السياسة الأولى، وتلك قضية واضحة في الكون، وهذا ما يتضح لنا من سيرة سيدنا يوسف الذي صار وزيرا للعزيز ودعا أباه وأمه وشيعته إلى مصر ولم تأت سيرة فرعون في سورة يوسف.
وعندما تكلم القرآن على رأس الدولة في أيام يوسف قال :
وقال الملك ائتوني به ( من الآية٥٤سورة يوسف ).
لم يقل الحق :" فرعون " على الرغم من أنه قال قبل ذلك عنه إنه : " فرعون " وأيام موسى ذكر فرعون، لكن في أيام يوسف لم يأت بسيرة فرعون إنما جاء بسيرة ملك، وعندما جاء اكتشاف حجر رشيد، ظهر لنا أن فترة وجود يوسف عليه السلام في مصر هي فترة ملوك الرعاة أي الهكسوس الذين غزوا مصر وأخذوا الملك من المصريين وحكموهم وصاروا ملوكا، وسمي عصرهم بعصر الملوك.
وقال القرآن( وقال الملك ائتوني به )ولم يأت بذكر لفرعون وعندما استرد الفراعنة ملكهم وطردوا ملوك الرعاة استبد الفراعنة بمن كانوا يخدمون الملوك وهم بنو إسرائيل هكذا تتأكد دقة القرآن عندما ذكر فرعون لأنه كان الحاكم أيام موسى، لكن في زمن يوسف سمي حاكم مصر باسم الملك، وتلك أمور لم نعرفها إلا حديثا ولكن القرآن عرفنا ذلك، وكانت تحتاج إلى استنباط وهي تدخل ضمن الآيات التي لا حصر لها في قوله الحق : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ( من الآية٥٣سورة فصلت ).
فسبحانه وتعالى بعد أن أيد موسى بالآيات وأغرق فرعون هنا قال لهم موسى : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين( ٢١ ) ( سورة المائدة ).
فقد انتهت المهمة بتخليص بني إسرائيل من فرعون، وخلصوا أهل مصر من فرعون وكانت الدعوة لدخول الأرض المقدسة وكلمة الأرض إذا أطلقت صارت علما على الكرة الجامعة ووردت كلمة " الأرض " في قصة بني إسرائيل في مواضع متعددة لمواقع متعددة.
فها هو ذا قول الله في آخر سورة الإسراء :
وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ( من الآية١٠٤سورة الإسراء ).
فهل هناك سكن إلا الأرض ؟ إن أحدا لا يقول : اسكن كذا إلا إذا حدد مكانا من الأرض، لأن السكن بالقطع سيكون في الأرض فكيف يأتي القول :" اسكنوا الأرض " ؟ والشائع أن يقال : اسكن المكان الفلاني من المدن، مثل : المنصورة أو أريحا، أو القدس وقوله الحق : " اسكنوا الأرض " هو لفتة قرآنية، ومادام الحق لم يحدد من الأرض مسكونا خاصا، فكأنه قال : ذوبوا في الأرض فليس لكم وطن، وانساحوا في الأرض فليس لكم وطن، أي لا توطن لكم أبدا، وستسيحون في الأرض مقطعين وقال سبحانه :
وقطعناهم في الأرض أمما ( من الآية١٦٨سورة الأعراف ).
وحين يأتي القرآن بقضية قرآنية فلنبحث أأيدتها القضايا الكونية أم عارضتها ؟ القضية القرآنية هنا هي تقطيع بني إسرائيل في الأرض أمما، أي تفريقهم وتشتيتهم ولم يقل القرآن : " أذبناهم " بل قال " قطعناهم " وتفيد أنه جعل بينهم أوصالا ولكنهم مفرقون في البلاد، وعندما نراهم في أي بلد نزلوا فيها نجد أن لهم حيا مخصوصا، ولا يذوبون في المواطنين أبدا، ويكون لهم كل ما يخصهم من حاجات يستقلون بها، فكأنهم شائعون في الأرض وهم مقطعون في الأرض ولكنهم أمم، فهناك " حارات " وأماكن خاصة لليهود في كل بلد.
حدث ذلك من بعد موسى عليه السلام، لكن ماذا كان الأمر في أيام موسى ؟ قال لهم الحق : " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " أي بعد رحلتكم مع فرعون اذهبوا إلى الأرض التي كتبها الله لكم، ونلحظ هنا أن كلمة " الأرض المقدسة " فيها تحييز وتحديد للأرض.
ولكن ما معنى " مقدسة " ؟ المادة كلها تدل على الطهر والتطهير ف " قدس " أي طهر ونزه، ومقدسة يعني مطهرة والألفاظ حين تأتي تتوارد جميع المادة على معان متلاقية، ففي الريف المصري نجد ما نسميه " القدس " أو " القادوس " وهو الإناء الذي يرفع به الماء من الساقية، وكانوا يستعملونه للتطهير، فالقادوس في الريف المصري هو وعاء الماء النظيف، وعندما يقال : " مقدسة " أي مطهرة.
إن من أسماء الحق : " القدوس " ويقال : " قدس الله " أي نزه فالله ذات وليست كذات الإنسان وله سبحانه صفات منزهة أن تكون كصفاتك وهو سبحانه له أفعال، ولكن قدسه وطهره منزهة أن تكون كأفعالك فذات الحق واجبة الوجود وذات الإنسان ممكنة الوجود لأن ذات الإنسان طرأ عليها عدم أول ويطرأ عليها عدم ثان وهو سبحانه واجب الوجود لذاته والإنسان واجب لغيره وهو قادر سبحانه أن ينهي وجود العبد، ولله حياة وللإنسان حياة، لكن أحياتك أيها الإنسان كحياة الله ؟ لا.
إن حياته سبحانه منزهة وذاته ليست كذاتك، وصفاته ليست كصفاتك فأنت قادر قدرة محدودة وله سبحانه طلاقة القدرة وهو سبحانه سميع والعبد سميع، لكن سمع البشر محدود وسمعه سبحانه لا حدود له.
إذن فصفاته مقدسة، ولذلك فعندما تسمع أنه سبحانه سميع عليم فليس سمعه كسمعنا، وله فعل غير فعلنا وعندما يقول الحق : إنه فعل ففعله منزه عن التشبيه بفعل البشر لأن البشر من خلق الله، وفعل البشر معالجة، ويكون للفعل بداية ووسط ونهاية ويفزع من الأحداث على قدر الزمن ونحن نحمل الأشياء في أزمان متعددة ويحتاج من يحمل الأشياء إلى قوة ولكن فعل الحق مختلف، إنه فعل ب " كن " لذلك قال :
ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب( ٣٨ ) ( سورة ق )،
أي أنه سبحانه وتعالى منزه عن التعب، فهو يقول : " كن فيكون " ولذلك قلنا في مسألة الإسراء : إننا يجب أن ننسب الحدث إلى الله لا إلى محمد صلى الله عليه وسلم حتى نعرف أن الذين عارضو رسول الله في مسألة الإسراء كانوا على خطأ، فقد قالوا : أنضرب لها أكباد الإبل شهرا وتدعي أنك أتيتها في ليلة.
إن رسول الله لم يدع لنفسه هذا الأمر لأنه لم يقل : سريت من مكة إلى بيت المقدس " حتى تقولوا : أنضرب لها أكباد الإبل شهرا وتدعي أنك أتيتها في ليلة ".
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أسري بي أي أنه صلى الله عليه وسلم ليس له فعل في الحدث والفعل إ

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير