وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ( المائدة : ٢٧-٣٢ ).
تفسير المفردات : التلاوة : القراءة ولا تكاد تستعمل إلا في قراءة كلام الله تعالى والنبأ : الخبر الذي يهتم به لفائدة ومنفعة عظيمة والقربان : ما يتقرب به إلى الله تعالى من الذبائح وغيرها. وهو في الأصل مصدر فلهذا يستوي فيه الواحد وغيره
المعنى الجملي : بعد ان ذكر عز اسمه حسد اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وإعراضهم عن دعوته مع وضوح البرهانات الدالة على صدقه وكثرة الآيات المثبتة لنبوته حتى هم قوم منهم أن يبسطوا أيديهم لقتله وقتل كبار أصحابه كما ذكر ذلك في قوله : إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ( المائدة : ١١ ) ذكر هنا قصة ابني آدم بيانا لكون الحسد الذي صرف اليهود عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وحملهم على عداوته عريقا في الآدميين وأثرا من آثار سلفهم كان لهؤلاء منه الحظ الأوفر فلا تعجب من حالهم بعد هذا فإن لهم أشباها ونظائر في البشر كابني آدم وقد حدث بينهم من أجل التحاسد سفك الدماء وقتل الأخ أخاه وبذر تلك البذور السيئة في بني آدم إلى قيام الساعة.
الإيضاح : واتل عليهم نبأ انبي آدم بالحق جمهرة العلماء على أن هذين الابنين هما ابنا آدم من صلبه وفي سفر التكوين أنهما أول أولاد آدم اسم أحدهما قاين أو قايين وهو البكر وسماه المفسرون والمؤرخون من المسلمين قابيل وهو القاتل واسم الثاني هابيل وهو المقتول وقد ذكروا روايات غريبة عنهما لا تعرف إلا من الوحي وفي وصف الله تعالى ما قاله :''بالحق'' دليل على أن ما يلوكه الناس سوى ذلك فباطل.
أي واتل أيها الرسول على أهل الكتاب وغيرهم من الناس ذلك النبأ العظيم نبأ ابني آدم تلاوة كاشفة للحق مظهرة له مبينة لغرائز البشر وطبائعهم وهي أنهم جبلوا على التباين والاختلاف الذي يفضي إلفى التحاسد والبغي والقتل ليعلموا الحكمة فيما شرعه الله في عقاب البغاة من الأفراد والجماعات ويفقهوا أن بغي اليهود على الرسول والمؤمنين ليس من دينهم في شيء وإنما ذاك للحسد والبغضاء فما مثلهم إلا مثل ابني آدم إذ حسد شرهما خيرهما فبغى عليه فقتله وكان مآله ما بينه الله في الآيات بعد :
إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الىخر أي اتل عليهم نبأهما وقت تقديم كل منهما القربان وما تبعه من البغي والعدوان فتقبل الله من أحدهما قربيانه لتقواه وإخلاصه وطيب نفسه به ولم يتقبل من الآخر لعدم التقوى والإخلاص ولم يبين لنا سبحانه كيف علم أنه تقبل من احدهما دون الآخر وربما كان ذلك بوحي من الله لأبيهما آدم عليه السلام.
روي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما أن أحدهما كان صاحب حرث وزرع فقرب شر ما عنده وأردأه غير طيبة به نفسه وكان الآخر صاحب غنم وقرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة به نفسه كما روي عن بعضهم أن القربان المقبول كانت تجيء النار من السماء لتأكله ولا تأكل غير المقبول وكل هذا من الأخبار الإسرائيلية التي ليس لها مستند يوثق به.
و القرابين عند اليهود أنواع :
منها : المحرقات للتكفير عن الخطايا بذبح ذكور البقر والغنم السالمة من العيوب
و منها : التقديمات من الدقيق والزيت والألبان.
ذو منها : ذبائح السلامة لشكر الرب تعالى.
و القربان عند النصارى ما يقدسه الكاهن من الخبز والخمر فيتحول في اعتقادهم إلى لحم المسيح ودمه حقيقة.
و القربان عند المسلمين اسم لذبائح النسك كالأضاحي وغيرها.
قال لأقتلنك أي إن من لم يتقبل منه توعد أخاه وحلف ليقتلنه فأجابه الآخر أحسن جواب.
قال إنما يتقبل الله من المتقين أي لا يقبل الله الصدقات وغيرها من الأعمال إلا ممن يتصف بتقوى الله والخوف من عقابه باجتنابه الشرك وسائر المعاصي كالرياء والشح واتباع الأهواء.
و خلاصة جوابه : إنني لم أذنب إليك ذنبا تقتلني به فإن كان الله لم يتقبل قربانك فحاسب نفسك لتعرف سبب ذلك فإن الله إنما يتقبل من المتقين فاحمل نفسك على تقوى الله والإخلاص له في العمل ثم تقرب إليه بالطيبات يتقبل منك قال تعالى : لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ( آل عمران : ٩٢ ) وفي الحديث :'' إن الله تعالى طيب لا يقبل الطيب ''.
و في هذا من العبرة ما كان ينبغي أن يتعظ به المراؤون الذين يبغون بما يتصدقون به الصيت واجتلاب الثناء من الناس وحسن الأحدوثة.
المعنى الجملي : بعد ان ذكر عز اسمه حسد اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وإعراضهم عن دعوته مع وضوح البرهانات الدالة على صدقه وكثرة الآيات المثبتة لنبوته حتى هم قوم منهم أن يبسطوا أيديهم لقتله وقتل كبار أصحابه كما ذكر ذلك في قوله : إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ( المائدة : ١١ ) ذكر هنا قصة ابني آدم بيانا لكون الحسد الذي صرف اليهود عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وحملهم على عداوته عريقا في الآدميين وأثرا من آثار سلفهم كان لهؤلاء منه الحظ الأوفر فلا تعجب من حالهم بعد هذا فإن لهم أشباها ونظائر في البشر كابني آدم وقد حدث بينهم من أجل التحاسد سفك الدماء وقتل الأخ أخاه وبذر تلك البذور السيئة في بني آدم إلى قيام الساعة.
تفسير المراغي
المراغي