ومن بعد ذلك يقول الحق :
واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين( ٢٧ ) :
وساعة يتلو الإنسان أي يقرأ فهو يتكلم بترتيب ما رآه من صور، ذلك أن الإنسان عندما يرى أمرا أو حادثة فهو يرى المجموع مرة واحدة، أو يرى كل صورة مكونة للحدث منفصلة عن غيرها، وعندما يتكلم الإنسان فهو يرتب الكلمات، كلمة من بعد كلمة، وحرفا من بعد حرف، إذن فالمتابعة والتلاوة أمر خاص بالكلام " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق " والنبأ هو الخبر المهم، فنحن لا نطلق النبأ على مطلق الخبر، ولكن النبأ هو الخبر اللافت للنظر مثال ذلك قوله الحق : عم يتساءلون( ١ )عن النبإ العظيم( ٢ ) ( سورة النبأ ).
إذن فكلمة " نبأ " هي الخبر المهم الشديد الذي له وقع وأثر عظيم.
" واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق " وساعة نسمع قوله الحق : " بالحق " فلنعلم أن ذلك أمر نزل من الحق فلا تغيير فيه ولا تبديل ولذلك قال سبحانه : وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ( من الآية١٠٥سورة الإسراء ).
أي ما أنزل من عند الله لم يلتبس بغيره من الكلام، وبالحق الجامع لكل أوامر الخير والنواهي عن الشر نزل، وعندما يقول سبحانه :" واتل عليهم نبأ بني آدم بالحق " فسبحانه يحكي قصة قرآنية تحكي واقعة كونية ومادام الله هو الذي يقص فهو سيأتي بها من النموذج الكامل من الصدق والفائدة ولذلك يسميه سبحانه " القصص الحق " :
إن هذا لهو القصص الحق ( من الآية٦٢سورة آل عمران ".
ويسميه سبحانه : نحن نقص عليك أحسن القصص ( من الآية٣سورة يوسف ).
وسبحانه يقول :" واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر " ونعرف أن آدم هو أول الخلق البشري، وأن ابني آدم هما هابيل وقابيل، كما قال المفسرون وقد قرب كل منهما قربانا والقربان هو ما يتقرب به العبد إلى الله، و " قربان " على وزن " فعلان " فيقال : " كفر كفرانا " و " غفر غفرانا " وهي صيغة مبالغة في الحدث، وهل قدم الاثنان قربانا واحدا، أم أن كلا منهما قدم قربانا خاصا به ؟ مادام الحق قبل من واحد منهما ولم يتقبل من الآخر فمعنى ذلك أن كلا منهما قدم قربانا منفصلا عن الآخر، لأن الله قبل قربان واحد منهما ولم يتقبل قربان الآخر.
و " القربان " مصدر والمصادر في التثنية وفي الجمع وفي التذكير والتأنيث لا يتغير نطقها أو كتابتها فنحن نصف الرجل بقولنا : " رجل عدل " وكذلك " امرأة عدل " و " رجلان عدل " و " امرأتان عدل " و " رجال عدل " و " نساء عدل ". إذن فالمصدر يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، ونعلم أن آدم هو أول الخلق الآدمي وجاءت له حواء، وذلك من أجل اكتمال زوجية التكاثر، لأن التكاثر لا يأتي إلا من ذكر وأنثى.
ومن كل شيء خلقنا زوجين ( من الآية٤٩سورة الذاريات ).
فكل موجود أراد له الحق التكاثر فهو يخلق منه زوجين.
سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ( من الآية٣٦سوروة يس ).
ونرى ذلك حين نقوم بتلقيح النخلة من طلع ذكر النخل، وهناك بعض الكائنات لا نعرف لها ذكرا وأنثى، إما لأن الذكر غير موجود تحت أعيننا، ولكن يوجد على بعد والريح هي التي تحمل حبوب التلقيح. وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء ( من الآية٢٢سورة الحجر ).
فتأتي الريح بحبوب التلقيح من أي مكان لتخصب النبات وإما أن الذكورة والأنوثة يوجدان معا في شيء واحد أو حيز واحد، مثال ذلك عود الذرة حيث نجد ذكورته وأنوثته في شيء واحد، فقمة العود فيها الذكورة ويخرج من كل " كوز " ذرة قدرا من الخيوط الرفيعة التي نسميها " الشوشة " وهذه هي حبال الأنوثة وينقل الهواء طلع الذكورة من سنبلة الذرة إلى " الشوشة "، وكل شعرة تأخذ من حبوب اللقاح كفايتها لتنضج الحبوب، وعندما تلتصق أوراق كوز الذرة ولا تسمح بخروج الخيوط الرفيعة لحبال الأنوثة، ولا تصلها حبوب اللقاح فيخرج كوز الذرة بلا نضج وبلا حبوب ذرة، وعندما نمسك بكوز الذرة ونفتحه قد نجد بعضا من حبوبه ميتة وهي تلك التي لم تصلها حبوب اللقاح، لأنها لم تملك خيطا من الحبال الرفيعة لتلتقط به حبوب اللقاح، وحبة الذرة التي لم يخرج لها خيط رفيع لالتقاط حبوب اللقاح لا تنضج، إذن فكل شيء فيه الذكورة والأنوثة.
سبحان الذي خلق الأزواج كلها ( من الآية٣٦سورة يس ). وكذلك قوله :( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ).
وكل ما يقال له شيء لا بد له من ذكر وأنثى، حتى المطر لا بد أن يلقح فلو لم يتم تلقيح المطر بالذرات لما نزل المطر، وحتى الحصى فيه ذرات موجبة وذرات سالبة وعندما اخترعنا الكهرباء واكتشفنا الموجب والسالب ارتحنا. إذن فعندما يقول الحق : ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون( ٤٩ ) ( سورة الذاريات ).
وقوله سبحانه : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون( ٣٦ ) ( سورة يس ).
وهذا أول علم للعرب، فلم يكونوا من قبل القرآن أمة علم.
وقد أوصل القرآن كل العلم للعرب حتى فاقوا غيرهم، عندما أخذوا بأسباب الله، لكن عندما تراخوا وواصل غيرهم الأخذ بالأسباب تقدمت الاكتشافات، وهذه الاكتشافات نجدها مطمورة في القرآن :
{ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون٣٦ )( سورة يس ).
إذن فكل ما يجد ويحدث ويكتشف من شيء فيه موجب وسالب أي ذكورة وأنوثة، يدخل في نطاق :
ومما لا يعلمون ( من الآية٣٦سورة يس ).
والإنسان سيد الوجود لا بد له من زوجين ذكر وأنثى وذلك للتكاثر لا للإيجاد، أما الإيجاد فهو لله سبحانه وتعالى الذي أوجد كل شيء من لا شيء، وعندما جاء آدم وحواء وبدأ اللقاح والتكاثر أخذ عدد سكان الأرض في النمو، ولو أننا رجعنا بالأنسال في العالم كله رجعة متأخرة نجد العدد يقل إلى أن يصل إلى آدم وحواء، مثال ذلك لو عدنا إلى الوراء مائة عام لوجدنا تعداد مصر لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة على الأكثر، ولو عدنا إلى الوراء قرونا أكثر فإن التعداد يقل، إلى أن يصل إلى الخلق الأول الذي خلقه الله وهو آدم وخلق له حواء، فالإنسان بمفرده لا يأتي بنسل.
إذن عندما نجري عملية الإحصاء الإنسالي في العالم ونرجع بها إلى الوراء، نعود إلى الخلق الأول، وكذلك كل شيء متكاثر سواء أكان حيوانا أم نباتا وعندما نسير بالإحصاء إلى الأمام فإننا سنجد الأعداد تتزايد وتكون القفزة كبيرة وعندما يبلغنا الحق أنه خلقنا من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا ونساء، فإن علم الإحصاء إنما يؤكد ذلك، والتكاثر إنما يأتي بالتزاوج والتزاوج جاء من آدم وحواء، وأراد الحق أن يرزق آدم بتوائم ليتزوج كل توأم بالتوأم المخالف له في النوع من الحمل المختلف، أي يتزوج الذكر مع الأنثى التي لم تولد معه في بطن واحدة.
وجاء ربنا لنا بهذه القصة كي يبين لنا أصل التكاثر بيانا رمزيا، أوضح سبحانه : أن التباعد الزوجي كان موجودا، ولكنه التباعد الإضافي صحيح سيكون هذا الولد أخا للبنت هذه، وهذه البنت أخته لكن حين تكون مولودة مع هذا وتأتي بطن ثان فيها ذكر وأنثى، فسيكون فيها بعد إضافي، فتتزوج البنت لهذا البطن بالذكر في البطن الثاني، والذكر للبطن الثاني للبنت في البطن الآخر، وهذا هو البعد الإضافي الذي كان متاحا في ذلك الوقت، لأن العالم كان لا يزال في بداية طفولته الواهية.
ونلحظ مثل هذا الأمر في الريف، حين يقول فلاح لآخر : " الذرة بتاعك خايب "، يقول الفلاح الثاني : إني آخذ من الأرض التي أخذت منها الذرة وأعطيها تقاوي منها، فأنا قد زرعت فدانا من ذرة، وأحجز كيلتين أو ثلاثا أستخدمها تقاوي لأزرعها فتخرج الذرة ضعيفة، فيقول الفلاح الناضج : يا شيخ هات من ذرة جارك فيكون ذرة جاري فيه شيء من البعد، وبعد ذلك تصير النوعية واحدة، فيقول الفلاح الناضج : هات من بلد أخرى، وبعد ذلك من بلد ثالثة، ولذلك فالتهجين والتكاثر كيف نشأ ؟ من أين نأتي بالتقاوي ؟ كلما جئنا بها من الخارج يكون الناتج قويا.
كذلك التزاوج ليكون في هذه الزوجية مواهب، ولذلك فطن العربي قديما لها، ومن العجيب أن هذا العربي البدوي لم يشتغل بثقافة ولم نعرف له تعليما ولا علما، يهتدي إلى مثل هذه الحقيقة اهتداء يجعلها قضية عامة فطرية ويريد أن يمدح رجلا بالفتوة، فيقول عنه :
فتى لم تلده بنت عم فيضوي **** وقد يضوي سليل الأقارب
كيف اهتدى هذا الشاعر لهذه ؟ وبعد ذلك يقول :
تجاوزت بنت العم وهي حبيبة إل **** مخافة أن يضوي على سليلها
أي هو يحبها، لكنه تجاوزها، حتى لا يضوي سليلها.
ولذلك يقول الشاعر في هذه القضية :
أنصح من كان بعيد الهم
تزويج أولاد بنات العم
فليس ينجو من ضوى وسقم
الشاعر العربي الذي ليس في أمة مثقفة ولا تعرف التهجين ولا تعرف هذه الأشياء، انتبه إلى هذه المسألة كيف ؟ إما أن يكون قد اهتدى إليها في واقع الكون فوجد أن زواج القريبات ينشئ نسلا ضعيفا، وإما أن يكون ذلك من رواسب الديانات السابقة القديمة والعظات الأولى التي ظل الإنسان محتفظا بها، فإذا أراد الله أن يبدأ تكاثر فلا بد أن يتزوج أخ بأخته، ولكن سبحانه يريد أن نتباعد، نعم أخ وأخت لكن نتباعد فنأخذ البطن المختلف، ولذلك حينما جاءوا لينسبوا قصة ابني آدم قابيل وهابيل صحيح اختلفوا مثلا : " سفر التكوين " تكلم، ونحن نأخذ من " سفر التكوين " لأن التغيير فيه لا يهمهم فقد كان التغيير في المسائل التي تهمهم، كمسألة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إنما المسائل الأخرى لا تهم، ومع ذلك ففيها أيضا الكثير.
إنهم يقولون : إن هابيل هو أول قتيل في الإنسانية وقتله " قابيل " وبعض القصص تقول : لم يكن يعرف كيف يميته أو يقتله، فالشيطان مثل له بأنه جاء بطير ووضع رأسه على حجر ثم أخذ فضرب به رأسه حتى قتله، فعلمه كيف يقتل، مثلما سيأتي الغراب ويعلمه كيف يدفن، أما مسألة كيف يقتل هذه لم تأت عندنا، إنما كيف يدفن فقد جاءت عندنا.
فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه ( من الآية٣١سورة المائدة ).
فهذا أول من توفي وقتل، لكن كيف تقولون : إنه لم يكن يعرف القتل حتى جاءه الشيطان وعلمه كيف يقتل أخاه ؟ نقول : أنتم لم تنتبهوا فالحق قال :
لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين( ٢٨ ) .
فقابيل إذن فاهم للقتل، فلا تقل إنه تعلم القتل، صحيح مسألة الدفن هذه جديدة، والقصة جاءت لتثبت لنا كيف بدأ التكاثر، ليجمع الله فيه بين الزوجين البعد الإضافي لأن البعد غير الإضافي غير ممكن في هذا الوقت فتكون هذه بالنسبة لهذا أجنبية، وهذا بالنسبة لهذه أجنبي إلى أن يتوسع الأمر، وبعد ذلك يعاد التشريع بأن الأخت من أي بطن محرمة على أخيها تحريما أبديا، وبعد ذلك نتوسع في الأمر وننقله إلى المحرمات الأخريات من النسب والرضاع فلا بد أن لهذه القصة أصلا، هم قالوا نقرب قربانا لماذا ؟ " إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ".
لماذا يريدان أن يقربا قربانا ؟ قالوا : إن أخت قابيل التي كانت في بطن معه كانت حلوة وجميلة وأخت هابيل لم تكن جميلة، فطبقا لقواعد التباعد في الزوجية كان على هابيل
تفسير الشعراوي
الشعراوي