المعنى الجملي : بعد ان ذكر عز اسمه حسد اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وإعراضهم عن دعوته مع وضوح البرهانات الدالة على صدقه وكثرة الآيات المثبتة لنبوته حتى هم قوم منهم أن يبسطوا أيديهم لقتله وقتل كبار أصحابه كما ذكر ذلك في قوله : إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ( المائدة : ١١ ) ذكر هنا قصة ابني آدم بيانا لكون الحسد الذي صرف اليهود عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وحملهم على عداوته عريقا في الآدميين وأثرا من آثار سلفهم كان لهؤلاء منه الحظ الأوفر فلا تعجب من حالهم بعد هذا فإن لهم أشباها ونظائر في البشر كابني آدم وقد حدث بينهم من أجل التحاسد سفك الدماء وقتل الأخ أخاه وبذر تلك البذور السيئة في بني آدم إلى قيام الساعة.
تفسير المفردات :
والبينات : الآيات الواضحة والإسراف : البعد عن حد الاعتدال مع عدم المبالاة.
الإيضاح :
ثم ذكر نتائج هذا القتل فقال :
من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا أي إنه بسبب هذا الجرم الفظيع والقتل والشنيع الذي فعله أحد هذين الأخوين ظلما وعدوانا فرضنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير سبب موجب للقصاص الذي شرعه في قوله : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ( المائدة : ٤٥ ) الآية أو قتل نفسا بغير سبب فساد في الأرض يسلب الأمن والطمأنينة وإهلاك الحرث والنسل كما تفعله عصابات اللصوص المسلحة المستعدة لقتل الأنفس ونهب الأموال أو إفساد الامر على الدولة التي تقوم بتنفيذ حدود الله تعالى من يفعل شيئا من ذلك فكأنما قتل الناس جميعا إذ الواحد يمثل النوع فمن استحل دمه بغير وجه حق استحل دم كل واحد كذلك لأنه مثله والمقصد من ذلك تعظيم أمر القتل العمد العدوان وتفخيم شأنه أي فكما أن قتل كل الخلق مستعظم مستبشع لدى الناس كلهم فكذلك قتل الواحد مستفظع مستعظم وكيف لا يكون مستعظما وقد قال تعالى : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ( النساء : ٩٣ ).
ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا أي ومن كان سببا في حياة نفس واحدة بإنقاذها من موت كانت مشرفة عليه فكأنما أحيا الناس جميعا لأن الباعث له على الإنقاذ – وهو الشفقة والرحمة واحترام الحياة الإنسانية والوقوف عند حدود الشرائع – دليل على انه إذا استطاع أن ينقذهم كلهم من الهلاك لا يدخر وسعا ولا يني في ذلك.
و في الأية إرشاد إلى ما يجب من وحدة البشر وحرص كل منهم على حياة الجميع والابتعاد عن ضرر كل فرد فانتهاك حرمة الفرد انتهاك لحرمة الجميع والقيام بحق الفرد بمقدار ما قرر له في الشرع قيام بحق الجميع وتقدم أن قلنا أن القرآن كثيرا ما يشير إلى وحدة الأمة ووجوب تكافلها حتى إنه ليسند أعمال المتقدمين منها إلى المتأخرين ويشير إلى ان جناية الإنسان على غيره تعد جناية على البشر كلهم.
و قد وردت قصة ابني آدم في الفصل الرابع من سفر التكوين فقد جاء فيه : إن قابيل لما قدم للرب من ثمرات الأرض وقدم هابيل قربانا من أبكار غنمه ونظر الرب إلى هابيل وقربانه دون أخيه اغتاظ قايين وقتل هابيل فسأله الرب عنه : أين هو فأجاب : لا أعلم هل أنا حارس لأخي فلعنه الرب وطرده عن وجه الأرض فندم واسترحم الرب وخاف أن يقتله كل من وجده فقال له الرب لذلك : كل من قتل قايين فسبعه أضعاف ينتقم منه وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده فخرج قايين من لدن الرب وسكن في أرض نود شرقي عدن.
ثم ذكر أن بني إسرائيل غلاظ القلوب مسرفون في القتل وفي غيره مع كثرة مجيء الرسل لهم فقال :
ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون أي ولقد جاءتهم الرسل بالآيات الواضحة الناطقة بقرير ما كتبنا عليهم المؤكدة لوجوب مراعاته والمحافظة عليه فلم تغن عن الكثير منهم شيئا إذ لم تهذب نفوسهم ولم تطهر أخلاقهم فكانوا بعد كل هذا التشديد عليهم في أمر القتل يسرفون فيه وفي سائر ضروب البغي والعدوان.
و العبرة في قصة ابني آدم أن الحسد كان مثار أول جناية في البشر ولا يزال هو أسّ المفاسد في المجتمع فترى الحاسد تثقل عليه نعمة الله على أخيه نسبا أو جنسا أو دينا فيبغي عليه ولو بما فيه ضرر له ولهذا المحسود.
و الأمة التي تنتشر بين أفرادها هذه الرذيلة قلما تتوجه همم أبنائها إلى ما يرقي شأنهم بين الأمم الأخرى وقلما يتعاونون على ما فيه صلاحهم وتقدمهم في سائر مرافق الحياة فيصبحون عبيدا لسواهم بعد أن كانوا سادة وأذلاء بعد أن كانوا في عزة وبلهنية من العيش.
تفسير المراغي
المراغي