وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله
ذكر الله سبحانه وتعالى ما يتعلق بالتوراة من وجوب التزام أحكامها وتنفيذها وأنه قد نفذت تلك الأحكام على يد النبيين، وطبقوها على أكمل وجوه التطبيق، وجاء من بعدهم العلماء الذين فقهوا معانيها ودونوا فقهها، والقضاة الذين خلصوا أنفسهم من أدران الهوى، وسلطان الشهوات حتى صاروا ربانيين يقومون على الحق والقسط، ويشهدون الله على ما يفعلون فهم شهداء الله تعالى، لا يخضعون لغيره، ولا يريدون إلا رضاه ولا يبتغون غير سبيله سبيلا.
وفي هذا النص الكريم يذكر سبحانه أن عيسى عليه السلام جاء من بعدهم يصدق ما بين يديه من التوراة، وأتى معه بالإنجيل وفيه أحكام مقررة للتوراة، أو ناسخة أو مبينة وأن على أهل الإنجيل الذين نزل عليهم وخوطبوا به أن يطبقوه، حتى تأتي الأحكام الخالدة المقررة الثابتة إلى يوم القيامة التي نزلت بها شريعة القرآن كما ستدل على ذلك النصوص القرآنية التالية
في هذا النص الكريم قراءات نذكر منها قراءتين في قوله :"وليحكم" : أولاهما : قراءة حمزة بكسر اللام وفتح الميم١، وتكون اللام للتعليل، ويكون في مقام العطف على ما سبق، لأنه في معنى التعليل ويكون المعنى على هذه القراءة :( وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل فيه )، وأهل الإنجيل هم من عاصروا المسيح عليه السلام، ومن جاءوا بعدهم حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم، إذ يجب العمل بشريعته حتى يجيء ما ينسخها، فالعمل واجب بشريعة الإنجيل من أهل الإنجيل فلما جاءت شريعة محمد عليه الصلاة والسلام صاروا أهل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
والقراءة الثانية بسكون اللام، وسكون الميم على أن اللام للأمر٢، وسياق الكلام على هذا يوجب تقدير محذوف، وهو ( قلنا ) مثلا ليكون متقابلا مع أهل التوراة الذين قال تعالى فيهم : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس...( ٤٥ ) ( المائدة ). فالمعنى : وقلنا ليحكم أهل الإنجيل. وعلى هذا التقدير يكون العمل بالإنجيل سابقا على نزول القرآن.
وإذا لم تقدر كلمة قلنا، فإن الكلام لا يدل على بقاء شريعة الإنجيل للنصارى، وذلك لأنه بعد بعث محمد صلى الله عليه وسلم صاروا هم أهل القرآن لأنهم هم الذين يخاطبون برسالته ومعهم غيرهم من الخليقة، فكل الذين يدركون نبيا هم أهل رسالته التي يخاطبون بها، لا فرق بين قريب دان، وبعيد قاص، وأيضا فإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم قد نسخت ما يخالفها مما سبقها، إذ شريعة القرآن هي المهيمنة على ما عداها، كما قال تعالى : وأنزلناك إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه . وهذه الهيمنة توجب العمل بما أقره من الكتب السابقة، وبطلان العمل بما نسخه منها الإنجيل الذي له تلك الأوصاف السابقة هو الذي لم يجر فيه التحريف، وهو خاص بالحكم فيما قبل البعث المحمدي.
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون في هذا النص الكريم الحكم على من لم يحكم بما أنزل الله تعالى بالفسق، أي الخروج عن جادة الحق، والسنن المستقيم والخلق الكريم، وكان الحكم بالفسق هنا مناسبا لمواعظ الإنجيل الذي نزل على عيسى وهدايته، لأن تعريف القرآن الكريم له فيه إشارة إلى ما اشتمل من أخلاق روحانية قويمة، وهداية سليمة والمناسب لمن لم يحكم به أن يكون فاسقا خارجا شاذا تاركا لمعاني الإنسانية الروحانية العالية، وهنا بحث لفظي يتكون من عناصر ثلاثة :
أولها : أن التعبير ب "من" يدل على الجمع هنا بدليل قوله تعالى : فأولئك هم الفاسقون لأن أولئك إشارة إلى الجمع، وهم ضمير الجمع، وكأن التعبير بالموصول للدلالة على أن الحكم الفردي كالحكم الجماعي، فكل من تتحقق فيه الصلة، وهو ألا يحكم بما أنزل الله تعالى يكون فاسقا آحادا أو جماعات.
ثانيها : أن المراد بالحكم يشمل حكم القضاء وحكم العمل، فمن لم يعمل بما جاء في الإنجيل، وهو من أهله فقد فسق عن أمر ربه.
ثالثها : أن النص يفيد أن علة استحقاقه لوصف الفسق هو أنه لا يحكم بما أنزل الله تعالى.
والحكم بالفسق شرطه ألا يكون ثمة جحود لما أمر الله وإلا كان كفرا.. اللهم ثبتنا على قول الحق والعمل به، واكتبنا في عبادك الصالحين.
٢ السابق.
.
زهرة التفاسير
أبو زهرة