يعنى أتبعناهم بعيسى ابن مريم، وخصصناه بالإنجيل، وفى الإنجيل تصديق لما تقدّمه، وتحقيق لما أوجب الله وألزمه، فلا الدّين قضوا حقه، ولا الإنجيل عرفوا فرضه، ولا الرسول حفظوا أمره ففسقوا وضلوا، وظلموا وزلّوا.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤٧]
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)
قال الله تعالى فى هذه السورة «١» :«وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ».
وقال فى موضع آخر «... فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» وقال فى هذه الآية «... فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» أمّا فى الأول فقال: «وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا... فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» لأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو جاحد والجاحد كافر.
وفى الثاني قال: «وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ... فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» لأن من جاوز حدّ القصاص واعتبار المماثلة، وتعدى على خصمه فهو ظالم لأنه ظلم بعضهم على بعض.
وأمّا هاهنا فقال: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ... فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» أراد به معصية دون الكفر والجحد «٢».
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤٨]
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨).
(٢) وهذه هى المنزلة بين الكفر والإيمان- كما يسميها بعض علماء الكلام.
قدّم تعريفه- صلّى الله عليه وسلّم- قصص الأولين على تكليفه باتباع ما أنزل الله عليه لئلا يسلك سبيل من تقدّمه فيستوجب ما استوجبوه.
قوله جل ذكره: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ.
لا تتملكك مودة قريب أو حميم، واعتنق ملازمة أمر الله- تبارك وتعالى- بترك كل نصيب لك.
ثم قال: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً» يعنى طريقة وسنّة أي أفردنا كلّ واحد منكم- معاشر الأنبياء- بطريقة، (وأمّا «١» ) أنت فلا يدانيك فى طريقتك أحد، وأنت المقدّم على الكافة، والمفضّل على الجملة، ولو شاء الله لسوّى مراتبكم، ولكن غاير بينكم ابتلاء، وفضّل بعضكم على بعض امتحانا.
قوله جل ذكره: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
مسارعة كل أحد على ما يليق بوقته فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد، والعارفون همتهم من حيث المواجد «٢».
ويقال استباق الزاهدين برفض الدنيا، واستباق العابدين بقطع الهوى، واستباق العارفين بنفي المنى، واستباق الموحدين بترك الورى، ونسيان الدنيا والعقبى.
(٢) وقع الناسخ فى تكرار عبارة (والعارفون..) فحذفناها
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني