يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ ( ١ ) عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ ( ٢ ) عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( ٥٤ ) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ( ٥٥ ) وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ( ٥٦ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ٥٧ ) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ ( ٣ ) اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ( ٥٨ ) ( ٥٤ – ٥٨ ).
وفي هذه الآيات :
( ١ ) نداء للمؤمنين فيه تحذير من الارتداد عن دينهم وإنذار لهم وهوان ذلك على الله إن هم فعلوه، فارتدادهم لن يضر الله وإنما يضرهم. وإن الله لقادر في مثل هذه الحالة على الإتيان بمؤمنين آخرين مخلصي الإيمان يحبهم ويحبونه. رحماء مشفقين على إخوانهم أشداء قساة على أعدائهم. يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ولا دوران دائرة.
( ٢ ) وتقرير على سبيل التعقيب على النهي والتحذير وجه فيه الخطاب إلى المؤمنين أيضا فلا يصح أن يكون لهم ولي غير الله ورسوله والمؤمنين المخلصين القائمين بجميع واجباتهم نحو الله والناس بالصلاة والزكاة، فهم فقط أولياؤهم حصرا. وإن من يتولى الله ورسوله والمؤمنين المخلصين هو من حزب الله وإن حزب الله هو الغالب.
( ٣ ) ونهي آخر موجه للمؤمنين، كذلك بعدم اتخاذ أهل الكتاب والكفار الذين يتخذون دينهم هزوا ولعبا أولياء. وحث لهم على تقوى الله إن كانوا مؤمنين حقا والتزام أوامره ونواهيه.
( ٤ ) وبيان تذكيري ببعض تصرفات الذين ينهون عن اتخاذهم أولياء. فهم إذا أذن المؤذن إلى الصلاة اتخذوا ذلك وسيلة للسخرية والغمز. وهم إنما يفعلون ذلك ؛ لأنهم قوم قد ضلت عقولهم عن فهم الحق واتباعه والوقوف عنده.
تعليق على الآية :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ...... الخ
والآيات الأربع التي بعدها وما فيها من تلقين.
وما ورد في صددها من روايات شيعية وغير شيعية
لقد روى المفسرون روايات عديدة ومتنوعة في نزول هذه الآيات وفيما تعنيه. فروى الطبري عن الحسن ومجاهد وغيرهما أن الآية الأولى هي في حق الذين ارتدوا عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي حق أبي بكر وأصحابه الذين جاهدوا فيهم وردوهم إلى الإسلام. وقال الطبري : إن في الآية وعيدا لمن سبق في علم الله أنه سيرتد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الوبر والمدر وقيام من هم خير منهم بنصرته ووفاهم بوعده لهم ووفى المرتدين بوعيده.
وروي مع ذلك عن عياض الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت : فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أومأ إلى أبي موسى الأشعري وقال هؤلاء قومك أو هؤلاء قوم هذا. وروى الطبري عن أبي جعفر أحد الأئمة الاثني عشر أن الآية ( ٥٥ ) نزلت في علي بن أبي طالب ؛ لأنه تصدق وهو راكع. وعن ابن عباس أن الآيات :( ٥٧ – ٦١ ) نزلت في رفاعة بن زيد التابوت وسويد بن الحرث اليهوديين اللذين كانا أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهم. وهناك رواية تذكر أن الآيات :( ٥٤ و ٥٥ ) نزلت في عبد الله بن سلام لما أسلم هو وبعض اليهود فقطع سائر اليهود موالاتهم لهم، فأنزل الله الآيات لتطمين الذين أسلموا من اليهود. وقد أورد البغوي والخازن وابن كثير والنيسابوري هذه الروايات. منهم من أوردها جميعها، ومنهم من أورد بعضها، ومنهم من عزاها إلى الطبري، ومنهم من أوردها من طرق أخرى. وبينما يروي الطبري أن الآية ( ٤٥ ) عنت أبا موسى الأشعري وقومه يروي ابن كثير مع هذه الرواية رواية عن جابر بن عبد الله بأنها عنت قوما من اليمن ثم من كنده ثم من السكون ثم من تجيب. كما يروي النيسابوري حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفيد أنها عنت سلمان الفارسي وقومه.
ومفسرو الشيعة ورواتهم وعلماؤهم يعلقون أهمية كبيرة على هذه الآيات وبخاصة الآيات :( ٥٤ و ٥٥ و ٥٦ ) ويرون فيها على ضوء أحاديث وروايات ينفردون في روايتها نصا قرآنيا على ولاية علي رضي الله عنه وأولاده للمؤمنين وإمامتهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون غيرهم. وهذا ما يجعلنا نسهب شيئا في شرح هذا الأمر لوضع الأمر في نصابه الحق إن شاء الله.
فمما أورده الطبرسي أحد مفسريهم والمعتدلين منهم ( ١ )١رواية عن علي بن إبراهيم بن هاشم أن الآية الأولى نزلت في مهدي الأمة وأصحابه، وأولها خطاب لمن ظلم آل محمد وقتلهم وغصب حقهم. وقد عقب المفسر على الرواية قائلا : وينصر هذا القول كون ما جاء في فقرتها الثانية فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ لم يكونوا موجودين عند نزولها، ويتناول القول من يكون بعدهم بهذه الصفة إلى قيام الساعة. وروى المفسر نفسه أيضا رواية عن أبي جعفر وأبي عبد الله من الأئمة الاثني عشر أنها في أمير المؤمنين علي وأصحابه حين قاتل من قاتله من الناكثين والقاسطين والمارقين. وعقب المفسر على هذا بسبيل تدعيم الرواية قائلا : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصف عليا رضي الله عنه الوصف الوارد في الآية الأولى بلفظ :( يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) في حديث صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر حيث قال :( لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده ) ( ١ )٢، ثم أعطاها عليا. ثم استمر المفسر فقال : أما الوصف باللين على أهل الإيمان والشدة على الكفار والجهاد في سبيل الله مع عدم الخوف فيه لومة لائم الذي جاء في الآية مما لا يمكن أن يدع علي عنه بما ظهر من مقاماته المشهورة.
ويروي الطبرسي عن علي أنه قال يوم البصرة أي اليوم الذي جرى حرب الجمل فيه بين علي وأنصاره وعائشة وطلحة والزبير وأنصارهم : والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم. يريد القول بذلك الذين عنتهم الآية الأولى لم يكونوا موجودين، وإنما جاؤوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن عليا قاتل ذلك اليوم محققا ما في الآية.
ويروى عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :( يرد علي قوم من أصحابي يوم القيامة فيجلون عن الحوض فأقول : يا رب أصحابي أصحابي، فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا من بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ( ٢ )٣.
لقد أورد هذا المفسر الرواية التي أوردها الطبري عزوا إلى أبي جعفر في صدد الآية ( ٥٥ ) بتفصيل مثير عن السدي عن غيابة بن ربعي قال :( بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا أقبل رجل معمم بعمامة فجعل ابن عباس لا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا قال الرجل : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له ابن عباس : سألتك بالله من أنت فكشف العمامة عن وجهه وقال : يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري. سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين، وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول :( علي قائد البررة وقاتل الكفرة ومنصور من نصره ومخذول من خذله. أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللهم اشهد. إني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا. وكان علي راكعا، فأومأ بخنصره اليمنى إليه، وكان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره. وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إن أخي موسى سألك فقال : قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( ٢٥ ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( ٢٦ ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ( ٢٧ ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( ٢٨ ) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ( ٢٩ ) هَارُونَ أَخِي ( ٣٠ ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( ٣١ ) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ( ٣٢ ) فأنزلت عليه قرآنا ناطقا : سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما . اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري. قال أبو ذر : فوالله ما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلمة حتى نزل عليه جبريل من عند ربه فقال : يا محمد اقرأ قال : وما أقرأ ؟ قال اقرأ : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . ومع أن الرواية تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي حينما تصدق علي بخاتمه، فإن المفسر يروي رواية أخرى جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبصر بسائل فقال له : هل أعطاك أحد شيئا ؟ قال : نعم خاتم من فضة، فقال : من أعطاكه قال : ذلك القائم، وأومأ إلى علي، فقال : على أي حال أعطاكه قال : وهو راكع فكبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قرأ : وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ .
ومما أورده المفسر الشيعي الكاشي في سياق الآيات رواية عن الإمام الصادق في سياق تفسير الآية ( ٥٥ ) جاء فيها أنها في حق إمامة علي وأولاده إلى يوم القيامة وإنه هو المقصود بوصف : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وأنه كان عليه حلة قيمتها ألف دينار كان أهداها إليه النجاشي، فجاء سائل إليه وهو راكع فقال : السلام عليك يا ولي الله وأولى المؤمنين من أنفسهم، تصدق على مسكين فطرح الحلة إليه، فأنزل الله الآية وصير نعمة أولاده بنعمته، فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة يكون بهذه النعمة مثله، وإن السائل الذي سأل أمير المؤمنين هو من الملائكة، والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة ) وروى عن الصادق عن أبيه عن أجداده ( إنه لما نزلت الآية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ التي عنت بجملة : وَالَّذِينَ آمَنُواْ عليا اجتمع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد فقال بعضهم : إن كفرنا بهذه الآية نكفر بسائرها، وإن آمنا فإن هذا ذل حين يسلط علينا علي بن أبي طالب فقالوا : قد علمنا أن محمدا صادق فيما قول. ولكنا نتولاه ولا نطيع عليا فيما أمرنا
التفسير الحديث
دروزة