المعنى الجملي : بعد أن نهى سبحانه عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من دونه وبين العلة في ذلك فأرشد إلى أن بعضهم أولياء بعض ولا يوالي المؤمنين منهم أحدو لا يواليهم ممن يدعون الإيمان إلا مرضى القلوب والمنافقون الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر.
أعاد النهي هنا عن اتخاذ الكفار عامة أولياء مع بيان الوصف الذي لأجله كان النهي وهو إيذاؤهم للمؤمنين بجميع ضروب الإيذاء ومقاومتهم دينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
تفسير المفردات :
والمثوبة : من ثاب إليه إذا رجع ويراد به الجزاء والثواب والطاغوت : من الطغيان وهو مجاوزة الحد المشروع وهو يشمل كل من أطاعوه في معصية الله تعالى
الإيضاح :
قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله استعمال المثوبة في الجزاء الحسن أكثر من استعمالها في الجزاء السيئ وقيل إن استعمالها في الجزاء السيئ من باب التهكم والازدراء.
أي هل أنبئكم أيها المستهزئون بديننا وأذاننا مما هو شر من عملكم هذا جزاء وثوابا عند الله.
وهذا السؤال يستدعي سؤالا منهم عن ذلك الذي هو شر ( ما هو ) فأجابهم بقوله ( من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ) من لعنه الله : أي جزاء من لعنه على حد قوله تعالى : وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ( البقرة : ١٨٩ ) أي ولكن البر بر من اتقى أي إن الذي هو شر من ذلك ثوابا وجزاء جزاء من لعنة الله وغضب عليه إلخ.
وفي هذا انتقال بهم من تبكيت لهم بإقامة الحجة على هزئهم ولعبهم بما ذكر- إلى ما هو أشد منه تبكيتا وتشنيعا عليهم وذلك هو التذكير بسوء حال آبائهم مع أنبيائهم وما كان من جزاء الله على فسقهم وتمردهم بأشد ما جازى به الفاسقين الذين ظلموا أنفسهم –من اللعن والغضب والمسخ وعبادة الطاغوت.
أما اللعن فقد ذكر في عدة مواضع من القرآن الكريم مع بيان أسبابه والغضب الإلهي يستلزم اللعنو واللعنة تلزمه إذ هي منتهى المؤاخذة لمن غضب الله عليه.
وأما جعله منهم قردة وخنازير فقد تقدم في سورة البقرة : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ وسيأتي في سورة الأعراف : فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( الأعراف : ١٦٦ ) وجمهرة العلماء على أنهم مسخوا فكانوا قردة وخنازير على الحقيقة وانقرضوا لان الممسوخ لا يكون له نسل ونقل ابن جرير عن مجاهدة أنه قال : مسخت قلوبهم ولم يمسحوا قردة وإنما هو مثل ضربة الله لهم كما ضرب المثل بقوله : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ( الجمعة : ٥ ).
أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل أي إن أولئك الذين اتصفوا بما ذكر من المخازي وشنيع الأمور شر مكانا إذ لا مكان لهم في الآخرة إلا النار وهم أضل عن قصد سواء الطريق ووسطه الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.
ومثل هؤلاء لا يحملهم على الاستهزاء بدين المسلمين وبصلاتهم وأذانهم إلا الجهل وعمى البصيرة.
تفسير المراغي
المراغي