قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل - تبكيت لأولئك الفجرة أيضا ببيان أن الحقيق بالنقم والعيب حقيقة ما هم عليه من الدين المحرف ؛ وفيه نعى لهم على سبيل التعريض بجناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها، ولم يصرح سبحانه لئلا يحملهم التصريح بذلك على ركوب متن المكابرة والعناد، وخاطبهم قبل البيان بما ينبئ عن عظم شأن المبين، ويستدعي إقبالهم على تلقيه من الجملة الاستفهامية المشوقة إلى المُخْبِر به، والتنبئة المشعرة بكونه أمرا خطرا لما أن النبأ هو الخبر الذي له شأن وخطر ؛... ، واعتبرت الشرية بالنسبة إليه- مع أنه خير محض منزه عن شائبة الشرية بالكلية- مجاراة معهم على زعمهم الباطل المنعقد على كمال شريته، وحاشاه، ليثبت أن دينهم شر من كل شر، .... مثوبة عند الله أي جزاء ثابتا عنده تعالى، وهو مصدر ميمي بمعنى الثواب، ويقال في الخير والشر لأنه ما رجع إلى الإنسان من جزاء أعماله، سمى به بتصور أن ما عمله يرجع إليه، كما يشير إليه قوله تعالى :( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) ( (١) ) ؛ حيث لم يقل سبحانه : ير جزاءه ؛ إلا أن الأكثر المتعارف استعماله في الخير، ومثله في ذلك المثوبة، واستعمالها هنا في الشر على طريقة التهكم-( (٢) ).
من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أنبئكم بشر مصير وجزاء يوم القيامة أعده الواحد القهار للذين أبعدهم من رحمته ؟، وأحل بهم غضبا لا يرضى بعده عنهم أبدا، كما عجل سخطه بأسلافهم الذين مسخهم قردة وخنازير، وجعل منهم من عبد الشيطان والباطل والطغيان ؛ في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله ؟ فقال :" إن الله لم يهلك قوما- أو قال لم يمسخ قوما- فيجعل لهم نسلا ولا عقبا إن القردة والخنازير كانت قبل ذلك " ) من لعنه الله خبر لمبتدأ محذوف مع تقدير مضاف محذوف، أي : هو لعن من لعنه الله، أو : دين من لعنه الله، .. وجعل منهم القردة والخنازير أي : مسخ بعضهم قردة وخنازير.. فإن الله مسخ أصحاب السبت قردة، وكفار مائدة عيسى منهم خنازير ؛.. وعبد الطاغوت .. ومن عبد الطاغوت، .... أولئك شر مكانا الإشارة إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة ؛ وجعلت الشرارة للمكان، وهي لأهله للمبالغة، ويجوز أن يكون الإسناد مجازيا، قوله : وأضل عن سواء السبيل معطوف على شر أي : هم أضل من غيرهم عن الطريق المستقيم ) ( (٣) ).
٢ من روح المعاني..
٣ ما بين العلامتين( ) من فتح القدير..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب