ويقول الحق بعد ذلك : لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثموأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ( ٦٣ ) .
والربانيون هم الذين ينسبون إلى الرب في كل تصرفاتهم، وكذلك الأحبار الذين يعرفون الدين، ولا هؤلاء ولا أولئك ينهون هؤلاء الناس من أهل الكتاب عن ارتكابهم الإثم وأكلهم السحت، فكيف ينصب هؤلاء الربانيون والأحبار أنفسهم قادة للضمير الديني دون أن يقوموا بواجبهم بوعظ الناس ؟ وفي هذا تأكيد على أن الربانيين والأحبار إنما يريدون فقط سلطة الهيمنة على الناس.
والربانيون هم رؤساء النصارى، والأحبار هم رؤساء اليهود. وكان من بين اليهود والنصارى من تتملكه شهوات أكل السحت والظلم وقول الإثم، فلماذا لم يتحرك المنسوبون إلى الله للنهي عن ذلك وهم الذين أخذوا حظهم في الدنيا من أنهم منسوبون إلى حماية منهج الله من انحرافات البشر ؟. ألم يكن من واجبهم نهي الظالمين والآثمين عن الظلم والإثم ؟.
إن الذي يظلم له شهوة في أن ينتفع من الظلم، أما أنتم أيها الربانيون والأحبار فلماذا لا تتحركون لوقف ذلك ؟ لا شك أنهم قد امتلأوا سرورا من هذا الإثم وذلك العدوان وأكل السحت، ومبعث سروهم أن الواحد من هؤلاء لو كان سليما في تصرفاته وأحكامه لغار على المنهج، لكنه يقبل الانحراف ؛ لأن من مصلحته أن ينحرف غيره حتى لا يلومه أحد. وجاء الحق ب ( لولا ) في أول هذه الآية تحضيضية أي يقصد بها الحث على الفعل... أي كان يجب أن ينهاهم الربانيون والأحبار عن أكل السحت وقول الإثم والعدوان. ثم تتجلى دقة الأداء القرآني – كما هو دائما – في قوله الحق : لبئس ما كانوا يصنعون .
ونذكر أن تذليل الآية السابقة قال فيه الحق عن سلوك العامة من أهل الكتاب : لبئس ما كانوا يعملون ، إذن فالحق يفرق بين بئس عن صناعة وبئس عن عمل. وبئس الربانيون الأحبار هو بئس الصناعة. ونعلم أن كل جارحة من جوارح الإنسان لها حدث خاص بها : فالعين حدثها أن ترى، والأذن حدثها السمع، واليد اللمس ومناولة الفعل، والرجل تسعى، واللسان مجال عمله الكلام. والجوارح تنقسم إلى قسمين : اللسان وحدثه القول، وبقية الجوارح أحدثها أفعال، بدليل أن الله يقول :
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ( ٣ ) ( سورة الصف ).
وإذن فالقول مقابله الفعل. والقول عمل، والفعل عمل. ومادام هناك قول وفعل من عامة أهل الكتاب في ذلك المجال لذلك يقول الحق : لبئس ما كانوا يعملون .
وقال عن الربانيون والأحبار : لبئس ما كانوا يصنعون لإيضاح الفرق بين من يعمل ومن يصنع، فمن فتق ثوبه وجاء بإبرة وخيط ليصلحه، فهو خائط، ولكن الذي يحترف ذلك هو ( الخياط ) ؛ فصاحب الحرفة هو من يأخذ وصفها لأنه يجيدها، أما الذي يمارسها لمرة واحدة فلا يأخذ من الصنعة إلا بقدر ما يدل على أنه لم يتقنها.
وكان الربانيون والأحبار قد اتخذوا أمر الدين والكهنوت صناعة بتجويد كبير. وذلك هو الذي جعل السلطة التقنينية في العالم كله تنتقل من منهج السماء إلى منهج الأرض. وحينما نرجع إلى تاريخ القانون نجد أن الأصل في التقنين كان من الكهنة الذين كانوا منسوبين إلى الله وخبر السماء، وهم الذين كانوا يحكمون بين الناس، لكنهم أفسدوا، ورأى المجتمع أنهم يحكمون في قضية بحكم، ثم في قضية مشابهة يحكمون بنقيض الحكم السابق، وأنهم ارتشوا في سبيل ذلك، وميزوا بين الناس، وعرف. الناس أن الكهنة غير مأمونين على العدالة ؛ لذلك تركوا الكهنة وبدأوا يضعون قوانين خاصة بهم بعيدة عن حكم الكهنة. وهكذا انتقلت المسألة من تقنينات وحكم الكهنة إلى المجتمع الذي لم يعد يتمسك بالدين بسبب انحرافات أحكام الكهنة عن العدل وأنهم باعوا الأحكام لصالح من يدفع أكثر، أو يحكمون لصاحب النفوذ. هكذا صارت المسألة صناعة لهم. وبئست تلك الصناعة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي