ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘ ﰿ

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ( المائدة : ٦٤-٦٦ ).
تفسير المفردات : لليد لغة معان عدة : الجارحة، والنعمة، تقول لفلان عندي يد أشكره عليها والقدرة كما قال تعالى أولى الأيدى والأبصار ( ص ٤٥ ) أي ذوي القوة والعقول والملك كما تقول هذه الضيعة في يد فلان أي ملكه وقال تعالى الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ( البقرة : ٢٣٧ ).
أي في ملكه وغلت أيديهم أي أمسكت وانقبضت عن العطاء، وهو دعاء عليهم بالبخل، يداه مبسوطتان أي هو كثير العطاء، والحرب : ضد المسلم ؛ فهي تصدق بالإخلال بالأمن والسلب والنهب ولو بغير قتل، وبتهييج الفتن والإغراء بالقتل،
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السالفة بعض مخازيهم من مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكل السحت إلى نحو أولئك مما اختلت به نظم المجتمع في الأفراد والجماعات، فأصبحوا قوما أنانية، همة كل واحد منهم جمع المال واكتسابه على أي صورة كان وبأي وجهه جمع وقد أثر هذا في أخلاقهم وأعمالهم أشد الأثر كما تشهد بذلك كتب دينهم _ ذكر هنا أفظع مخازيهم وأقبحها، بجرأتهم على ربهم ووصفهم إياه بما ليس من صفته، وإنكارهم جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم، وعفوه عن عظيم جرمهم توبيخا لهم، وتعريفا لنبيه صلى الله عليه وسلم قديم جهلهم، واحتجاجا له بأنه مبعوث ورسول، إذا أخبر بخفي علومهم ومكنون أخبارهم التي لا يعلمها إلا أحبارهم دون غيرهم من اليهود.
روى ابن إسحاق والطبراني عن ابن عباس قال ( ( قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس لنبي صلى الله عليه وسلم : إن ربك بخيل لا ينفق فأنزل الله وقالت اليهود الآية ) ) وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنها نزلت في فنحاص رأس يهود بني قينقاع. وروى ابن جرير عن عكرمة مثله، وروى عن مجاهد أنهم قالوا : لقد يجهدنا الله يا بني إسرائيل حتى جعل يده إلى نحره _ يريدون أنه ضيق عليهم الرزق.
وروى ابن عباس أنه قال : ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة، لكنهم يقولون إنه بختل أمسك ما عنده، تعالى ربنا عما يقول الظالمون.
الإيضاح : وقالت اليهود يد الله مغلولة أي قال ذلك بعض منهم، ونسبه إلى الأمة بناء على التكافل العام بين أفردها وكونها كالشخص الواحد، وأن الناس في كل زمان يغزون إلى الأمة ما يسمعون من بعض أفرادها وقد جرت سنة القرآن أن ينسب إلى المتأخرين ما قاله أو فعله سلفهم منذ قرون.
ولا عجب في صدور هذا القول من بعض الأشخاص منهم فإنا نرى من المسلمين في عصرنا مثله في الشكوى من الله عز وجل والإعتراض عليه عند الضيق وفي إبان المصايب.
ثم دعا عليهم بالبخل والطرد من رحمته فقال :
غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا هذا دعاء عليهم بالبخل وانقباض الأيدي عن العطاء والإمساك عن الإنفاق في سبيل البر والخير وما زالوا أبخل الأمم فلا يكاد أحد منهم يبذل شيئا إلا إذا كان يرى أن له من ورائه ربحا، كما دعا عليهم بالطرد والبعد من رحمته وعنايته الخاصة بعباده المؤمنين.
وقيل إن المراد بغل الأيدي ربطها إلى الأعناق بالأغلال في الدنيا أو في النار أو فيهما، فقد نقل عن الحسن البصري أنه قال : يغلون في الدنيا أساري وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم وقال في تفسير اللعنة : عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار.
ثم رد سبحانه عليهم ما قالوه وأثبت لنفسه غاية الجود وسعة العطاء وأن كل ما في العالم من خير هو سَجْلٌ من ذلك الجود فقال :
بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء أي بل هو الجواد المتصرف وفق حكمته وسننه في الاجتماع.
وتقتير الرزق على بعض العباد لا ينافي سعة الجود وسريانه في كل الوجود فإن له سبحانه الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق بحسب السنن التي أقام بها نظام الخلق.
وعبر عن سعة الجود ببسط اليدين لان الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء جهد استطاعته يعطي بكلتا يديه كما قال الأعشى يمدح جوادا :
يداك يدا جود فكف مفيدة وكف إذا ما ضن بالزاد تنفق
وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا أي إن هذا الذي أنزلناه عليك أيها النبي من خفي أمور هؤلاء اليهود المعاصرين لك، ومن أحوال سلفهم وشؤون كتبهم وحقائق تاريخهم – هو من أعظم الأدلة على نبوتك وكان ينبغي أن يجذبهم إلى الإيمان بك إذ لولا النبوة والوحي ما علمت من هذا شيئا فلا تعرف الماضي لأنك أمي لم تقرأ الكتب ولا تعرف الحاضر لأنه من مكرهم الخفي وكيدهم السري – لكنهم لطغيانهم وتجاوزهم الحدود في الكفر والحسد للعرب لم يجذبهم ذلك إلى الإيمان ولم يقرب إلا قليلا منهم ووالله ليزيدن ذلك كثيرا منهم طغيانا في بغضك وعداوتك وكفرا بما جئت به.
وقال قتادة : حملهم حسد محمد صلى الله عليه وسلم والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه.
وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة أي وألقينا بين اليهود والنصارى العداوة والبغضاء فهي لا تنقطع أبدا وهي على أشدها الآن في روسيا وألمانيا وأقلها في إنجلترا وفرنسا.
واليهود مع كونهم المديرين لأعظم الأعمال المالية ولهم النفوذ والتأثير في السياسة وسائر شؤون الاجتماع مبغوضون من جماهير النصارى.
وقد ألفت كتب كثيرة في فرنيا وغيرها في التحريض عليهم واستأصلت شأفتهم ألمانيا وكثير من البلاد المجاورة لها بعد الحرب العظمى وأصبح هذا الشعب عندهم من أقبح شعوب العالم وكذلك العداوة بين بعض النصارى وبعض لا تزال آثارها تظهر بين حين وآخر لدى الدول الكبرى القوية فهي دائما في استعداد لحرب يسحق بها بعضهم بعضا والحرب القائمة الآن بين الدول المسيحية الكبرى أكبر برهان على صدق ذلك.
كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله أي كلما هموا بالكيد للرسول وللمؤمنين الصادقين خذلهم الله وهم إما أن يخيبوا في سعيهم ولا يتم لهم ما أرادوا من الإغراء والتحريض وإما أن ينصر الله رسوله والمؤمنين.
و المعروف في كتب السيرة أن اليهود كانوا يغرون المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ومنهم من سعى لتحريض الروم على غزوهم ومنهم من كان يؤوي أعداءهم ويساعهم ككعب بن الأشرف وما سبب ذلك إلا الحسد والعصبية وخوف الأحبار والرهبان من إزالة الإسلام لامتيازاتهم العلمية والدينية التي كانوا معروفين بها في بلاد الحجاز فكانت عداوتهم للمسلمين عداوة سياسية جنسية ليست من طبيعة الدين ولا روحه والدليل على ذلك أن اليهود كان لهم ضلع بعد ذلك مع المسلمين في الشام والأندلس لما رأوا من عدلهم وإزالة الجور والظلم الذي كان عليه الروم والقوط.
وكذلك عداوة النصارى للمسلمين كانت سياسية وكانت على أشدها بينهم وبين الروم المستعمرين للبلاد المجاورة للحجاز كالشام ومصر وكان نصارى البلاد أقرب ميلا إلى المسلمين بعد أن وثقوا بعدلهم وزال عنهم ظلم الروم مع كونهم من أهل دينهم وقد جرت العادة أن الناس يتبعون في العداوة أو المودة ما تمليه عليهم منافعهم ومصالحهم.
ويسعون في الأرض فسادا أي إن ما يأتونه من عداوة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإيقاد الفتن والحروب لم يكن بقصد الإصلاح للأخلاق وشؤون العمران والاجتماع بل كانوا يقصدون السعي في الأرض للفساد ويحاولون الكيد للمؤمنين ومنع اجتماع كلمة العرب ويودون ألا يخرجوا من الأمية إلى العلم والعرفان ولا من الوثنية إلى التوحيد حسدا لهم وحبا في دوام امتيازهم عنهم.
والله لايحب المفسدين في الأرض بل يبغضهم ومن ثم لا ينجح سعيهم ولا يصلح عملهم لأنهم يريدون أن يبطلوا حكمته تعالى في صلاح الناس وعمران البلاد.
ومن ثم أبطل سبحانه كل ما كاده أولئك القوم للنبي صلى الله عليه وسلم والعرب والإسلام وأصلح بالإسلام ما كانوا خربوه من البلاد ونصر المسلمين على كل من ناوأهم وكذلك هم تركوا التوراة والإنجيل وهما قد أنزلا لهداية الناس إلى الصلاح والإصلاح فزال ملكهم وسط الله عليهم غيرهم.


المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السالفة بعض مخازيهم من مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكل السحت إلى نحو أولئك مما اختلت به نظم المجتمع في الأفراد والجماعات، فأصبحوا قوما أنانية، همة كل واحد منهم جمع المال واكتسابه على أي صورة كان وبأي وجهه جمع وقد أثر هذا في أخلاقهم وأعمالهم أشد الأثر كما تشهد بذلك كتب دينهم _ ذكر هنا أفظع مخازيهم وأقبحها، بجرأتهم على ربهم ووصفهم إياه بما ليس من صفته، وإنكارهم جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم، وعفوه عن عظيم جرمهم توبيخا لهم، وتعريفا لنبيه صلى الله عليه وسلم قديم جهلهم، واحتجاجا له بأنه مبعوث ورسول، إذا أخبر بخفي علومهم ومكنون أخبارهم التي لا يعلمها إلا أحبارهم دون غيرهم من اليهود.
روى ابن إسحاق والطبراني عن ابن عباس قال ( ( قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس لنبي صلى الله عليه وسلم : إن ربك بخيل لا ينفق فأنزل الله وقالت اليهود الآية ) ) وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنها نزلت في فنحاص رأس يهود بني قينقاع. وروى ابن جرير عن عكرمة مثله، وروى عن مجاهد أنهم قالوا : لقد يجهدنا الله يا بني إسرائيل حتى جعل يده إلى نحره _ يريدون أنه ضيق عليهم الرزق.
وروى ابن عباس أنه قال : ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة، لكنهم يقولون إنه بختل أمسك ما عنده، تعالى ربنا عما يقول الظالمون.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير