ومن بعد ذلك يقول الحق :
وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ( ٦٤ ) .
ونعرف أن اليد جارحة حرة الحركة تنفعل يمينا وتنفعل شمالا وتنفعل إلى أسفل وإلى أعلى، ولها من الأصابع ما جعل الله لكل أصبع مع زميله مهمة. وليلاحظ كل منا أصابعه في أثناء أي عمل، سيجدها تتباعد وتتقارب بحركة إرادية منسجمة لتؤدي المهمة. وخلقة الأصابع بالمفاصل والعقل وحجم كل عقلة يختلف عن الأخرى ؛ لتؤدي المهمة بانسجام. وساعة تعوق هذه الجارحة عن أداء مهمتها فأنت بذلك تكون قد غللتها، أي ربطتها عن التصرف المطلوب منها.
ومعنى قوله : يد الله مغلولة أي أن يد الله – والعياذ بالله – مشلولة الحركة.
وقد قالوا ذلك قبل ظهور سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقبل زحف الإسلام عليهم لينقض باطلهم. وحدث أن تفرغوا لصناعة آلات الحرب وبناء الحصون والزراعة، وانشغلوا عن الزراعة فخابت محاصيلهم وجاء وقت الحصاد فلم يجدوا، فقال ( فنحاص ) وهو واحد من اليهود : لماذا قبض الله يده عنا ؟ إن يد الله مغلولة. ونلحظ أن الذي قال ذلك هو شخص واحد، ولكن الحق يقول هنا : وقالت اليهود يد الله مغلولة . ومعنى ذلك أن ( فنحاص ) عندما قال ذلك سمعوه وسرهم ما قال، ووافقوه عليها.
أو أنهم شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أول الهجرة وقد آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانت تمر على المسلمين الليالي دون طعام فيراهم اليهود فيتندرون على تلك الحال ويقولون : إن يد الله مغلولة عن محمد وآله.
أو أنهم قالوا : إن يد الله مغلولة في الآخرة عن عقابنا ؛ لأنه سيعاقبنا أياما معدودة. الذي يبيح لنفسه أن يجعل الله منفعلا لأحداث خلقه إنما يكفر بالله ؛ لأنه ينزل الله من مكانته. فإذا كانت يد الله مغلولة، فهذا الرباط والغل والمنع يكون من خلق الله. كيف يقدر خلق من خلق الله أن يربط يد الله ؟. لقد اجترءوا على مقام الألوهية وهذا من سوء الأدب، تماما كما قالوا : إن الله فقير ونحن الأغنياء ( من الآية ١٨١ سورة آل عمران ).
وحينما قالوا : يد الله مغلولة ورد الحق عليهم : بل يداه مبسوطتان وقال قبلها غلت أيديهم فهل يدعو الحق عليهم ؟ طبعا لا ؛ لأنه هو المصدر الذي يتجه إليه الخلق بالدعاء وهو القادر على كل الخلق. ولكن الحق حين روى ما قالوه إنما ينبه الذهن الإيماني الذي يستقبل كلامه أنه ساعة يجد وصفا لا يناسب الله فعليه أن يدفع هذا الكلام حتى قبل أن يرى الرد عليهم.
وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم وهذا يعلمنا أننا إذا سمعنا وصفا لا يليق فلا بد أن ندحضه ؛ لأن الحق لا يدعوا على عبيده ؛ لأن الدعاء هو أن يرفع عاجز طلبه إلى قادر لينفذ المطلوب له.
إذن فإن قالها الحق إما أن تكون خبرا، وإما تعليما لنا، فإذا كانت خبرا نلحظ أن الله كتب عليهم البخل ساعة قالوا هذا ومنذ لحظة هذا القول، وإن كان القصد هو تعليمنا، فنحن نتعلم الأدب الإيماني، ونرد أي وصف لا يليق بجلال الله.
وهذه المسألة لها نظير، فعندما علم الحق سبحانه وتعالى تشوق رسول والمؤمنين أن يذهبوا إلى المسجد الحرام ؛ قال لرسوله :
لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ( من الآية ٢٧ سورة الفتح ).
وهل هذا إخبار من الله، أو هو تعليم لنا ؟. إنه تعليم لنا أن نفعل ذلك عندما نشتاق إلى فعل. وكذلك هنا : وقالت اليهود يد الله مغلولة لذلك يعلمنا سبحانه أن نقول : غلت أيديهم مثلما علمنا أن نقول :( إن شاء الله ) حتى ننسب كل قدر لله. وقد حاول الفلاسفة أن ينسونا تقدير المشيئة، فقالوا : إن الله خلق النواميس والأكوان وجعل لها قوانين تعمل في الكون. هل زاول الحق سلطانه ساعة خلق النواميس ثم ترك الأمور لذاتها ؟ لا ؛ لذلك جاء سبحانه بمعجزات تخرق النواميس لدينا على أن النواميس لم تأخذ هي الكلمة للتصرف بل إن يد الله مازالت في كونه، فالنار – على سبيل المثال – التي تحرق يأتيها الأمر : كوني بردا وسلاما ( من الآية ٦٩ سورة الأنبياء ).
والماء الذي يغرق يأتيه الأمر : فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ( ٦٣ ) ( سورة الشعراء ).
وقال : فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تجف دركا ولا تخشى ( ٧٧ ) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ( ٧٨ ) ( من الآية ٧٧، ٧٨ سورة طه ).
والعصا التي خلقت من غصن شجر جاف، تتحول إلى أفعى، أي نقلها كلها إلى جنس آخر، من نباتية إلى حيوانية. هذا هو خرق النواميس.
ويقول الحق عن هؤلاء الذين ادعوا أن يد الله مغلولة : غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا أي أنهم طردوا من رحمة الله، لأنهم هم الذين بشروا على أنفسهم وقالوا إن يد الله مغلولة، وسبحانه قادر أن يمنع عطاءه عنهم.
ويتابع سبحانه : بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ، وهو يعطي من يريد، وكلمة ( اليد ) في اللغة تطلق على الجارحة وتطلق على النعمة، فيقول الرجل : إن لفلان علي يدا لا أنساها ؛ أي أنه قدم جميلا لا ينسى. واستعملت اليد بهذا المعنى لأن جميع التناولات تكون باليد. وتطلق اليد ويراد بها الملكية فيقول سبحانه : أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ( من الآية ٢٣٧ سورة البقرة )
أي الذي يملك أن ينكح المرأة، هو الذي يعفو. في القتال نجد القول الحكيم : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم
( من الآية ١٤ سورة التوبة )أو تطلق اليد على من له ولاية في عمل من الأعمال، لذلك نجد الحق قد قال : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ( من الآية ٧٥ سورة ص ).
وآدم هو الخلق الأول وكلنا من بعده مخلوقون بالتناسل من الزوجية. وقد كرم الله الإنسان بأنه خلقه بيديه، وخلق كل شيء ب ( كن ). إذن كلمة ( اليد ) تطلق على معان متعددة. والرسول يقول :( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم )١.
أي عندما تجتمع الأيدي تكون هي اليد القادرة. وعندما نقرأ كلمة ( يد الله ) فهل نحصرها في نعمته أو ملكه ؟.
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ( ١ ) ( سورة الملك ).
والله سبحانه وتعالى أعلم بذاته فلنقف عند الوصف، نعم له يد، وله يدان، وإياك أن تتصور أن كل ما يتعلق بالله مثل ما يتعلق بك ؛ لأن الأصل أن لك وجودا الآن، ولله وجود، لكن وجودك غير وجود الله، كذلك يده ليست كيدك. حتى لا نشبه ونقول : إن له يدا مثل أيدينا، فلنقل إن المراد باليد هو القدرة أو النعمة، والهدف الراقي هو تنزيه الحق. وهناك من يقول : إن لله يدا ولكن ليست كأيدينا لأننا نأخذ كل ما تأتي وصفا لله على أنه ليس كمثله شيء والتأويل ممكن. مثلما بين الحق : إنه قد صنع موسى على عينيه.
وتأخذ أي مسألة تتعلق بوصف الله إما كما جاءت، بأن له يدا ولكن ليست كالأيدي، وله وجود لا كالوجود البشري، وله عين ليست كالأعين، ولكن كل وصف لله نأخذه في إطار ليس كمثله شيء . وإما أن نأخذ الوصف بالتأويل، ويراد بها النعمة ويراد بها القدرة. ويقول الحق : بل يداه مبسوطتان والمراد هنا هو ( النعمة ). ولم يكتف سبحانه بأن يرد بأن له يدا واحدة تعطي. لا، بل يرد بما هو أقوى مما يمكن، فهو يعطي بيديه الاثنتين، وهو القائل : أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ( من الآية ٢٠ سورة لقمان ).
إنه يعطي الظاهر ويعطي الباطن. وإياك أن تقول تلك اليد اليمنى وتلك اليد اليسرى ؛ لأن كلتا يدي الله يمين. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء أي أنه سبحانه لا يمكن أن يكون بخيلا، حتى وإن منع الحق فذلك منح وعطاء وإنفاق ؛ لأن الذي يطغى بنعمة، قد يذهب به الطغيان إلى البلاء وسوء المصير ؛ لذلك يقبض سبحانه عنه نعمته ليعطيه الأمن من أن ينحرف بالنعمة. ولذلك نجد القول الحق في سورة الفجر : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمي ( ١٥ ) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ( ١٦ ) ( سورة الفجر ). ورد الحق بعد ذلك بقوله :( كلا ).
فلا الإعطاء هنا للإكرام، ولا المنع للإهانة. فكيف يكون الإعطاء دليل الإكرام وقد يعطيك الله ولا تؤدي حق النعمة ؟ وكيف يكون المنع دليل الإهانة وهو قد منعك من وسيلة انحراف ؟ إذن فهو قد أعطاكم بالمنع – في بعض الأحيان – إنه قد أعطاك الأبقى هو الهداية. إذن فمنعه أيضا عطاء.
بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء الناس تنظر دائما إلى عطاء الله بعطاء الإيجاب، ولا تنظر عطاء السلب أي المنع، وهو أن يصرف عنك الحق مصرف سوء. وسبق أن ضربت المثل بالرجل الذي تحرى الحلال في مصدر ماله ويتقي الله في عمله ويأخذ دخله ويدير حركة حياته في إطار هذا الدخل، وقد يعود هذا الرجل إلى منزله فيجد حرارة الابن مرتفعة قليلا، لأن ماله حلال وذرات جسمه تعرف أن ماله حلال، لذلك يستقبل الأمر بهدوء ويعرض الابن على طبيب في مستوصف خيري بقروش قليلة، فيصف الطبيب دواء بقروش قليلة ويتم شفاء الابن.
هذا الرجل يختلف حاله عن حال رجل آخر أتى بماله من السحت، وساعة يرى حرارة ابنه قد ارتفعت نجد باله يدور بين ألف خاطر سوء، ويدور الرجل بابنه على الأطباء ولا يصدق طبيبا واحدا.
الرجل الأول رزقه الله الاطمئنان بمنع هواجس الحدة من قلبه وخواطره، أما الرجل الثاني فهو ينفق أضعاف ما أكله من سحت. إذن بل يداه مبسوطتان أي أن هناك عطاء السلب. العطاء الذي يحبه الإنسان هو عطاء المال وهو عطاء يذهب إلى الفانية. أما المنع فهو يمنع الإنسان من ارتكاب آثام. وبعد ذلك يأخذ الإنسان نعيمه في الآخرة. ونحن نجد كثيرا من الناس تدعو، ولكنهم لا يعلمون أن الله قد أعطى بالمنع.
يقول الحق تبارك وتعالى : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ( ١١ ) ( سورة الإسراء ).
لذلك يعطي الحق أحيانا أشياء يكون العبد قد ألح عليها، وبعد ذلك يتبين الإنسان أنها شر، كأن الحق ساعة منع الإنسان لفترة كان ذلك صيانة له.
بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء إذن فكله إنفاق. وسبحانه ينفق كيف يشاء، فلا يبخل أبدا حتى وإن منع، فالمنع في موضعه الصحيح هو عين الإنفاق، وهكذا يكون عطاء الله عطاء النعمة ظاهرة كانت أو باطنة. فإن أردت ب ( اليد ) القدرة فيدا الله مبسوطتان بالثواب لقوم وبالعقاب لقوم آخرين، وهو سبحانه وتعالى يعطي لحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المناعة الإيمانية ضد كل متمرد عليه، أو ضد كل متأب ومستكبر من الكافرين أو من أهل الكتاب.
فكأنه سبحانه وتعالى يوضح : وطن نفسك يا محمد ولتوطن أمتك نفسها على أن هؤلاء الكفرة لن يكتفوا بالقدر اليسير والقليل من الكراهية لك، بل كلما جاءت لك نعمة بزيادة الهدى من الله سيحسدونك، وسيبغضونك، وسيزداد تمردهم وحقدهم عليك، فوطن نفسك على ذلك. وفي هذا ما يعطي مناعة إيمانية، يسد كل منافذ وسوسة النفس ويجعل النفس على استعداد لاستقبال ما يحدث حتى ولو كان من المكاره.
ولنقرب هذا الأمر من الذهن. لا تشبيها ولكن لمجرد تقريب الأمر من الذهن – ولله المثل الأعلى – لننظر
تفسير الشعراوي
الشعراوي