ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘ ﰿ

وروى ابن أبي حاتم عن يحيي بن يعمر قال: خطب عليّ بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار. فلما تمادوا أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم. واعلموا أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرّب أجلا.
وروى الإمام أحمد «١» عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي، هم أعزّ منه وأمنع. ولم يغيّروا، إلّا أصابهم الله منه بعذاب.
ولفظ أبي داود «٢» عنه، مرفوعا: ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيّروا عليه فلا يغيّروا، إلّا أصابهم الله بعذاب قبل أن يموتوا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٦٤]
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ أخرج الطبرانيّ وابن إسحاق عن ابن عباس قال:
قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق. فنزلت.
وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عنه: نزلت في فنحاص، رأس يهود قينقاع، وتقدم أنه الذي قال: إن الله فقير ونحن أغنياء. فضربه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
فيكون أريد بالآية هنا، ما حكى عنه بقوله المذكور. والله أعلم.
ولما لم ينكر على القائل قومه ورضوا به، نسبت تلك العظيمة إلى الكل، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانا. وإنما القاتل واحد منهم. و (غلّ اليد وبسطها) : مجاز

(١) أخرجه في المسند ٤/ ٣٦١.
(٢) أخرجه أبو داود في: الملاحم، ١٧- باب الأمر والنهي، حديث ٤٣٣٩.

صفحة رقم 184

مشهور عن البخل والجود. ومنه قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩]، قالوا: والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال.
لا سيما لدفع المال ولإنفاقه. فأطلقوا اسم السبب على المسبب. وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل. فقيل للجواد: فياض الكف. مبسوط اليد، وسبط البنان نزه الأنامل. ويقال للبخيل: كزّ الأصابع، مقبوض الكف، جعد الأنامل.
وقوله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ دعاء عليهم بالبخل أو بالفقر والمسكنة، أو بغلّ الأيدي حقيقة. يغلّون أي: تشدّ أيديهم إلى أعناقهم أسارى في الدنيا ومسحوبين إلى النار في الآخرة وَلُعِنُوا أي: أبعدوا عن الرحمة فلا يوفقون للتوبة بِما قالُوا من الكلمة الشنيعة التي لا تصح في حق الله حقيقة ولا مجازا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ أي: بأنواع العطايا المختلفة. وثنّى (اليد) مبالغة في الرّد ونفي البخل عنه تعالى، وإثباتا لغاية الجود، فإن غاية ما يبذله السخيّ من ماله أن يعطيه بيديه يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ تأكيد لما قبله، منبه على أن إنفاقه تابع لمشيئته، المبنية على الحكم، التي عليها يدور أمر المعاش والمعاد.
وهاهنا مباحث
الأول: ما زعمه الزمخشريّ ومن تابعه- من أنّ إثبات اليد لا يصحّ حقيقة له تعالى- فإنه نزعة كلامية اعتزالية.
قال الإمام ابن عبد البرّ في (شرح الموطأ) : أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز. إلّا أنهم لا يكيّفون شيئا من ذلك ولا يحدّون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع، الجهمية والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكروها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة. ويزعم أن من أقرّ بها شبّه. وهم عند من أقرّ بها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله. وهم أئمة الجماعة.
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل) : لا يجوز ردّ هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبّه بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها ثم قال: ويدل على إبطال التأويل، أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين، حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها، ولو كان التأويل سائغا لكانوا إليه أسبق. لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة.

صفحة رقم 185

وقال الإمام أبو الحسن الأشعريّ رحمه الله تعالى في كتاب (الإبانة) في باب (الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين) وذكر الآيات في ذلك. ورد على المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته. مثل قوله:
فإن سئلنا: أتقولون لله يدان؟ قيل: نقول ذلك، وقد دل عليه قوله يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠] وقوله تعالى: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]
وروي «١» عن النبيّ ﷺ أنه قال: ان الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذرية
وقد جاء في الخبر المأثور عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده.
وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة. وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري في مفهومها في كلامها، ومعقولا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني به النعمة- بطل أن يكون معنى قوله عز وجل بِيَدَيَّ النعمة. وذكر كلاما طويلا في تقرير هذا ونحوه.
وقال القاضي أبو بكر الباقلانيّ في كتاب (الإبانة) له:
فإن قال: فما الدليل على أنّ لله وجها ويدا؟ قيل له: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: ٢٧]، وقوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فأثبت لنفسه وجها ويدا: فإن قال: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لا تعقلون وجها ويدا إلّا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا كما لا يجب- إذا لم نعقل حيّا عالما قادرا إلّا جسما- أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه.
وقال الشيخ تقيّ الدين في (الرسالة المدنية)

(١)
أخرجه أبو داود في: السنة، ١٦- باب في القدر، حديث ٤٧٠٣ ونصه: عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ.
فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال رسول الله ﷺ «إن الله عز وجل خلق آدم. ثم مسح ظهره بيمينه. فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون».
فقال رجل: يا رسول الله! ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ «إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله الجنة. وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار
.

صفحة رقم 186

مذهب أهل الحديث- وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف- أنّ هذه الأحاديث تمرّ كما جاءت ويؤمن. بها وتصدّق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل. وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف- منهم الخطابيّ- مذهب السلف أنّها تجري على ظاهره مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. وذلك، أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذي حذوه ويتبع فيه مثاله. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية.
فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.. انتهى.
ويرحم الله الإمام يحيى الصرصريّ الأنصاريّ حيث يقول من قصيدة:

إن المقال بالاعتزال لخطّة عمياء حلّ بها الغواة المرد
هجموا على سبل الهدى بعقولهم ليلا فعاثوا في الديار وأفسدوا
صمّ، إذا ذكر الحديث لديهم نفروا، كأن لم يسمعوه، وغرّدوا
واضرب لهم مثل الحمير إذا رأت أسد العرين فهنّ منهم شرّد
إلى أن قال:
يدعو من اتبع الحديث مشبّها هيهات ليس مشبّها من يسند
لكنه يروي الحديث كما أتى من غير تأويل ولا يتأوّد
الثاني:
روى الإمام «١» أحمد والشيخان «٢» في معنى الآية عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة. سحاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه. وكان عرشه على الماء وفي يده الأخرى الفيض- أو القبض- يرفع ويخفض وقال: يقول الله تعالى:
أنفق أنفق عليك.
الثالث: في هذه الآية دلالة على جواز لعن اليهود، ولا إشكال أنّ ذلك جائز.
الرابع: هذه الآية أصل في تكفير من صدر منه، في جناب البارئ تعالى، ما يؤذن بنقص.
(١) أخرجه في المسند ١/ ٢٤٢ والحديث رقم ٧٢٩٦.
(٢) أخرجه البخاري في: التفسير، ١١- سورة هود، ٢- باب قوله وكان عرشه على الماء، حديث ٢٠١٢.
ومسلم في: الزكاة، حديث ٣٦.

صفحة رقم 187

وقوله تعالى: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ أي من اليهود ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ من جوامع الخيرات طُغْياناً أي: عدوانا على الناس، أو تماديا في الجحود وَكُفْراً أي: في أنفسهم بعد كفرهم وطغيانهم بالتحريف وأخذ الرشوة أوّلا. وهذا من إضافة الفعل إلى السبب. أي: يزدادون طغيانا وكفرا بما أنزل، كما قال:
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ. [التوبة: ١٢٥].
قال الحافظ ابن كثير: أي يكون ما آتاك الله، يا محمّد، من النعمة نقمة في حقّ أعدائك من اليهود وأشباههم. فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك، طغيانا- وهو المبالغة والمجاوزة للحدّ في الأشياء- وكفرا أي تكذيبا. كما قال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت:
٤٤]، وقال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: ٨٢].
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فكلمتهم أبدا مختلفة وقلوبهم شتى، لا يقع بينهم اتفاق ولا تعاضد.
وقد ذكر الشهرستانيّ أنهم افترقوا نيّفا وسبعين فرقة. ولما قدم النبيّ ﷺ المدينة، كان اليهود ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. وبسط ما جرياتهم، وهدية ﷺ في شأنهم، مبسوط في (زاد المعاد) لابن القيم. فراجعه.
قال الرازيّ: واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها، هو أنه تعالى بيّن أنهم إنما ينكرون نبوّته بعد ظهور الدلائل على صحتها، لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال والسيادة. ثم إنه تعالى بيّن أنهم، لما رجّحوا الدنيا على الآخرة، لا جرم أن الله تعالى، كما حرمهم سعادة الدين، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا، لأن كل فريق منهم بقي مصرّا على مذهبه ومقالته. يبالغ في نصرته ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات. تعظما لنفسه وترويجا لمذهبه. فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم. وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفّر بعضا، ويغزو بعضهم بعضا.
وفي الآية وجهان: (أحدهما) ما بين اليهود والنصارى، لأنه جرى ذكرهم في قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى [المائدة: ٥١]. وهو قول الحسن

صفحة رقم 188

محاسن التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي

تحقيق

محمد باسل عيون السود

الناشر دار الكتب العلميه - بيروت
سنة النشر 1418
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية