ثم بين سبحانه المعصية والاعتداء بقوله : كَانُواْ لاَ يتناهون عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ فأسند الفعل إليهم لكون فاعله من جملتهم وإن لم يفعلوه جميعاً.
والمعنى : أنهم كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها، أو تهيأ لفعلها، ويحتمل أن يكون وصفهم بأنهم قد فعلوا المنكر باعتبار حالة النزول لا حالة ترك الإنكار، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر ؛ لأن من أخلّ بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدّى حدوده. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهمّ القواعد الإسلامية، وأجلّ الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه شريكاً لفاعل المعصية، ومستحقاً لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت، فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل، ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعاً قردة وخنازير إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْب أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيد ثم إن الله سبحانه قال مقبحاً لعدم التناهي عن المنكر لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره.
وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله : لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ يقول : لا تبتدعوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : كانوا مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولداً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السبيل قال : يهود.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن أوّل ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول له : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحلّ لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض» ثم قال : لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بَنِى إسرائيل على لِسَانِ دَاوُد إلى قوله : فاسقون ثم قال :«كلا، والله لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذنّ على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً» وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً فلا نطول بذكرها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بَنِى إسرائيل على لِسَانِ دَاوُد يعني في الزبور وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ يعني في الإنجيل.
وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي مالك الغفاري في الآية قال : لعنوا على لسان داود فجعلوا قردة، وعلى لسان عيسى فجعلوا خنازير. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي عبيدة ابن الجراح مرفوعاً :«قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أوّل النهار، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عبادهم فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً في آخر النهار، فهم الذين ذكر الله : لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بَنِي إسرائيل الآيات. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله : لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ قال : ما أمرتهم.
وأخرج ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان. وضعفه، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«يا معشر المسلمين إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال : ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ؛ فأما التي في الدنيا : فذهاب البهاء، ودوام الفقر، وقصر العمر ؛ وأما التي في الآخرة : فسخط الله، وسوء الحساب، والخلود في النار ؛ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ وَفِى العذاب هُمْ خالدون » قال ابن كثير في تفسيره : هذا الحديث ضعيف على كل حال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِيّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء قال : المنافقون.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني