٩٤ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم الآية :
قو له تعالى : ليبلونكم معناه : ليختبرنكم، والمعنى في الآية(١) : ليختبرنكم هل تصيدون في الحرام وأنتم حرم ؛ لأنه تعالى(٢) حرم الصيد في هاتين الحالتين، وإنما أراد تعالى أن يرى في ذلك(٣) طاعة العرب أو معصيتهم، وقد كان الصيد أحد معاشهم(٤) وشائعا(٥) في جميعهم، فابتلاهم الله تعالى(٦) فيه بالإحرام والحرم كما ابتلى بني إسرائيل في(٧) أن لا(٨) يعدوا في السبت.
قوله تعالى : أيديكم ورماحكم :
قال مجاهد : ما تناله الأيدي هو(٩) البيض والفراخ وما لا يستطيع أن يفر(١٠) وما تناله(١١) الرماح كبير(١٢) الصيد الذي لا يقدر على أخذه بالأيدي(١٣) وإنما خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عظيمة التصرف في الصيد وفيها تدخل الحبالات والفخاخ والشباك(١٤) والجوارح، وكذا خص الرماح بالذكر لأنها معظم ما يجرح به الصيد. وفيها يدخل السيف والسهم ونحو ذلك.
قوله تعالى : من الصيد :
يحتمل أن تكون " من " فيه للتبعيض يريد البر ؛ لأن الله تعالى أحل للمحرمين صيد البحر، فقال : أحل لكم صيد البحر وطعامه [ المائدة : ٩٦ ] الآية. ويحتمل أن تكون أيضا للتبعيض(١٥)، إلا أن التبعيض(١٦) لا يكون في الصيد، ولكن يكون في الحال للصيد(١٧)، وهي حال الحرمة، فصيد هذه الحال بعض الصيد. كما(١٨) أن صيد البر بعض الصيد(١٩) كذا ذكر بعضهم هذين الاحتمالين. ويعني عندي أن تكون " من " للتبعيض في الحالتين جميعا، أي من صيد البر في حال الحرمة. قال بعضهم : ويجوز أن تكون لبيان الجنس. قال الزجاج : وهذا كما تقول : لأمتحننك بشيء من الورق، وكما قال تعالى : فاجتنبوا الرجس من الأوثان [ الحج : ٣٠ ]. وقد اختلف في صيد الكتابي اليهودي والنصراني(٢٠) على ثلاثة أقوال، أحدها : المنع. والثاني(٢١) : الكراهة والثالث(٢٢) : الجواز. والمنع(٢٣) قول(٢٤) مالك(٢٥)، واحتج بقوله تعالى : تناله أيديكم ورماحكم يريد أن(٢٦) المخاطبين(٢٧) بالآية المسلمون(٢٨) خاصة، فلا يجوز صيد غيرهم لذلك.
وذكر ابن المواز(٢٩) عن مالك أنه كرهه. وقال أشهب وابن وهب : هو ذكي حلال. وقال ابن حبيب : كانا يريانه بمنزلة ذبائحهم، وأنه دخل في(٣٠) قوله عز وجل : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم [ المائدة : ٥ ]، وهو أحسن لأنها ذكاة كلها، ولا فرق بين تذكيتهم الإنسي(٣١) والوحشي، وهو طعام لهم(٣٢) داخل في عموم الآية. وأما قوله تعالى : تناله أيديكم ورماحكم فليس المراد بها جنس الصائد(٣٣)، وإنما المراد ابتلاء المحرم ليعلم صيده إذا وجده ووقوفه عنه(٣٤)، ومخافته بالغيب(٣٥) فيما يخفى له ولا يظهر عليه فيه، كما ابتلى اليهود(٣٦) في الصيد يوم السبت. واختلف أيضا في صيد المجوسي. ففي المذهب أنه لا يجوز، وأجازه بعضهم. ومن حجة المنع الآية على ما قدمناه.
واختلف في الصيد يثيره إنسان ويأخذه آخر فقيل : إنه المثير. وقيل : هو بينهما(٣٧). وقيل : هو(٣٨) للآخذ لا للمثير(٣٩). واحتج من قال ذلك بهذه الآية ؟ لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه شيئا.
وقوله تعالى : ورماحكم (٤٠) :
إنما يعني به ما قتله الرماح بحدها فخرقت أو بضعت، وقد اختلف في المعراض يقتل به الصيد، فقيل : إن أصابه يحده أكل، ولا يؤكل إن أصاب بعرضه(٤١)، وهو قول جمهور أهل العلم كما قدمناه من دليل الآية.
وحكي عن قوم منهم الأوزاعي : أنه يؤكل خرق أو لم يخرق، وكذلك لا يؤكل عند الجمهور صيد البندقية(٤٢) لما قدمناه من دليل الآية، خلافا لابن أبي ليلى وابن المسيب وغيرهما ممن أجاز أكل ذلك. وكذلك لا يؤكل ما قتلته الشبكة والحبالة لما قدمناه(٤٣) خلافا للحسن(٤٤) في قوله(٤٥) : يؤكل وهو قول شاذ.
٢ في (ب) و(ج) و(د): "لأن الله تعالى"..
٣ "في ذلك" ساقطة في (هـ)..
٤ في (ب) و(هـ): "معايشهم"..
٥ في (ب): "وكما يصا"..
٦ كلمة ساقطة في (هـ)..
٧ حرف الجر ساقط في (ب) و(ج)..
٨ "لا" ساقطة في (هـ)..
٩ في (ب): "وهو"..
١٠ في (د): "يطير"..
١١ "وما تناله" ساقطة في (ب) و(ج)..
١٢ في (أ) و(ب) و(هـ): "كبار"..
١٣ في (ب) و(ج): "باليد" وفي (هـ): "أخذها باليد"..
١٤ "الفخاخ والشباك" ساقطة في (ج)..
١٥ قوله: "يريد الصد البر.... أيضا للتبعيض" ساقط في (د) و(هـ)..
١٦ "إلا أن التبعيض" ساقط في (د)..
١٧ في (هـ): "في حال الصيد"..
١٨ في (ج): "كما قال"..
١٩ "كما أن صيد البر بعض الصيد" هذا ساقط في (ب) و(هـ)..
٢٠ في (أ) و(ج): "واليهودي والنصراني" في (هـ): "يهوديا أو نصرانيا"..
٢١ كلمة ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
٢٢ كلمة ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
٢٣ في (هـ): "والمنع"..
٢٤ كلمة ساقطة في (هـ)..
٢٥ في (هـ): "لمالك"..
٢٦ "أن" ساقطة في (ج)..
٢٧ في (ج): "المخاطبون"..
٢٨ في (هـ): "المسلمين"..
٢٩ في (ج): "أبو مواز"..
٣٠ في (هـ): "تحت"..
٣١ في (هـ): "للإنسي"..
٣٢ في (هـ): "وهو عندهم"..
٣٣ في (ج) و(هـ): "الصائدين"..
٣٤ في (هـ): "عنده"..
٣٥ في (ج) و(د): "في الغيب"..
٣٦ كلمة ساقطة في (ب) و(ج)..
٣٧ كلمة "وقيل هو بينهما" ساقطة في (ج) و(هـ)..
٣٨ كلمة "هو" ساقطة في (ج) و(هـ)..
٣٩ كلمة "لا للمثير" ساقطة في (ج) و(هـ) وقد ورد في (ج) و(هـ): "قيل للآخذ وقيل بينهما"..
٤٠ في (ج) و(هـ): "رماحكم"..
٤١ في (هـ): "وإن أصاب بعرضه لا يؤكل"..
٤٢ في (هـ): "صيد البندقية عند الجمهور"..
٤٣ قوله: "من دليل الآية.... والحبالة لما قدمناه" ساقط في (أ)..
٤٤ في (ب) و(ج): "للحسين"..
٤٥ في (د): "لقوله"..
أحكام القرآن
ابن الفرس