ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

ويقول الحق من بعد ذلك : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ( ٩٤ ) .
وهذا انتقال لحكم جديد، فبعد أن تكلم الحق فيما أحله لنا وقال سبحانه :
أحلت لكم بهيمة الأنعام ( من الآية ١ سورة المائدة ).
وبعد أن تكلم الحق سبحانه فيما حرم علينا من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكي وذبح وحرم ما ذبح للأصنام وما استقسم بالأزلام وكذلك الخمر والميسر، أراد أن يعطينا محرمات من نوع خاص، وحتى نعرف هذه المحرمات لا بد لنا أن نعرف أن هناك أشياء محرمة في كل زمان وكل مكان، كالخمر والميسر والزنا وغير ذلك من النواهي الثابتة، سواء أكانت عبادة أصنام أم أزلام أم غير ذلك من أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وهناك محرمات في أزمنة خاصة، أو في أمكنة خاصة. والفعل، أي فعل، لا بد له من زمن ولا بد له من مكان.
نحن مأمورون بالصلاة في زمانها في أي مكان طاهر وصالح للصلاة فيه، وكذلك الصوم يتحكم فيه الزمان، أما الحج فالذي يتحكم فيه هو الزمان والمكان. وأما العمرة فالذي يتحكم فيها هو المكان ؛ لأن الإنسان يستطيع أن يعتمر في أي زمان – غالبا – ويتكلم سبحانه هنا عن نهي في مكان خاص وفي زمان خاص، فالصيد ليس محرما إلا في حالة أن يكون الإنسان حرما.
ونعلم أن كلمة و ( حرم ) هي جمع ( حرام )، والحرام إما أن يكون الإنسان في المكان الذي يبدأ فيه بالتحريم. مثال ذلك منطقة رابغ التي يبدأ عندها الإحرام بالنسبة لسكان مصر، فإن وصلت إلى هذا المكان وبدأت في عمل من أعمال الحج أو العمرة فأول عمل هو الإحرام. ومن لحظة الإحرام حتى ولو أحرمت من بلدك أو بيتك لا يحل لك الصيد. و ( الحرم ) أيضا هو وصف للمكان حتى وإن لم يكن الإنسان حاجا، فالصيد محرم في الحرم، والحرم له حدود بينها الشرع، فالصيد فيه حرام على المحرم وغير المحرم. ونعلم أن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد جعل الحق لها الأرض كلها مسجدا وطهورا.
وعلى ذلك فأي مكان للصلاة، ويصلح أن نقرأ فيه العلم، ويصلح أن نقيم عليه مصنعا ويصلح أن نزرعه. إذن فأي أرض تصلح أن تكون مسجدا لأنها مكان للسجود. ولكن المسجد بالمعنى الاصطلاحي هو المكان المخصص للصلاة. أما المسجد الحرام فمركزه الكعبة وحولها الطواف وحول ذلك جدران الحرم. ويقع المسجد الحرام في دائرة الحرم، والتي تبدأ من التنعيم والجعرانة والحديبية والجحفة وغيرها، هذه حدود الحرم. فالإنسان إذا ما جاء إلى ميقات الحج عند رابغ مثلا فهو لا يصطاد ؛ لأنه أصبح في دائرة الحرم، فالصيد محرم عليه حتى ولو لم يكن حاجا أو معتمرا.
والحج – كما نعلم – هو رحلة فرضها الله مرة واحدة في العمر يخرج إليها المسلم الذي يحيا في كل مكان من نعمة المنعم. وعندما يخرج المسلم إلى الحج فهو يتحلل من كل النعم التي تصنع له التمييز ليستوي مع كل خلق الله. وأول سمة مميزة للإنسان هي الملابس، لذلك يخلع المسلمون ملابسهم ويرتدون لباسا موحدا يتساوون فيه. وحين يترك المسلم النعمة كلها فذلك لأنه ذاهب إلى المنعم.
ومن بعد ذلك يريد الحق أن يؤدبنا تأديبا إيمانيا مع الوجود كله. ويصفي الله في الحج هذه المسألة كلها، فالكل سواء في الملابس تكاد تكون واحدة، كلهم شعت غبر، وكلهم يقولون :( لبيك اللهم لبيك ). هكذا تتم تصفية التفاوت في الإنسان بالإحرام.
ومن بعد ذلك ننظر إلى الجنس الأدنى وهو الحيوان، يعلمنا الحق الأدب مع هذا الجنس فيأتي بتحريم صيده. ويعلمنا الأدب مع الزرع الذي تحت الحيوان فيمنع المسلم من قطع شجر الحرم. وهكذا تصفى كل هذه المسألة، وتصبح العبودية مستطرقة في الجميع.
وتزول في الحج كل الألقاب والمقادير المتباينة من فور اتجاههم إلى الحج، وحول الكعبة يرى الخفير والوزير وهو يبكي، ويشعر الجميع أن الكل سواء، والحق يقول :
من دخله كان آمنا ( من الآية ٩٧ سورة آل عمران )
فالحيوان يأمن وكذلك النبات، هذا ما أمر به الحق في دائرة الحرم ؛ لأن ذلك تدريب للإنسان على أن يخرج من النعمة إلى المنعم. ومن بعد ذلك يدخل المسجد ويطوف حول الكعبة. ونجد الإنسان- سيد الوجود – يقف من كل ما يخدمه في الوجود موقفا مختلفا، فالحيوان يأخذ كرامته وكذلك النبات، وكذلك الجماد يأخذ أيضا كرامته، فمن عند الحجر الأسود يبدأ الطواف سبعة أشواط.
في الحج ينفض الإنسان أي طغيان عن نفسه ويتساوى مع كل الناس، ينفض طغيانه أمام الجنس الأدنى هو الحيوان فحرم عليه صيده – ونعلم أن الحيوان يغذي الإنسان – وينفض أيضا طغيانه مع النبات – النبات يغذي الإنسان – فحرم قطعه. وينفض الحق كبرياء الإنسان أمام الجماد – وهو أحط الأجناس – فأمر الحق الإنسان أن يستلم الحجر الأسود أو أن يقبله، وإن لم يستطع من الزحام فعليه الإشارة للحجر، ومن لم يستطع استلام الحجر الأسود أو تقبيله فقد يخيل إليه أن حجه لم يقبل ذلك زيادة منه في التعلق بالمناسك والاحتياط في أدائها.
كل ذلك حتى يحقق الله سبحانه وتعالى استطراق العبودية، ودائما نجد من يتساءل : وكيف نقبل الحجر على الرغم من أن الله قد نهانا عن الوثنية وعبادة الأصنام ؟ ونقول : إن الحجرية ليست لها قيمة في هذا المجال، ولكن رب الإنسان والحيوان والنبات والحجر هو الذي أمرنا بذلك، بدليل أننا نرجم حجرا آخر هو رمز إبليس، والعبد في أثناء أداء المشاعر – إنما ينتقل من مراد نفسه إلى مراد ربه، فيقبل ويعظم حجرا ويرجم حجرا آخر، وهكذا صفيت العبودية بالنسبة للناس فاستطرقوا، وصفيت العبودية بالنسبة للحيوان والنبات والجماد.
ويلفتنا سيدنا عمر رضي الله عنه فيقول للحجر الأسود :( أنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ).
كأن سيدنا عمر رضي الله عنه يعلمنا حتى لا يقول أحد : إنها وثنية، فالوثنية أن تعبد حجرا بمرادك، أما الحجر الأسود فنحن نعظمه بمراد الله.
يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم( ٩٤ ) ( سورة المائدة ).
ما الفرق بين ما تناله الأيدي وما تناله الرماح ؟. ما تناله الأيدي هو صغار الأفراخ والأشياء السهلة اليسيرة، أما ما تناله الرماح فهو ما تصطاده بجهد بالرمح وحسن تصويبه. قال الحق : ولنبلوكم لأن هناك فارقا بين أن يلح الإنسان على المعصية فيفعلها، وبين أن يصل إلى منزلة لا يلح فيها على معصية، بل قد تقع عليه المعصية، وإن وقعت عليه المعصية فهو لا يرتكبها.
كأن الحق يبتلينا مادمنا لا نلح على المعصية، ويريد أن يرى ماذا سيكون التصرف منا إن جاءت المعصية إلينا فهل نفعلها أو لا ؟ فإن كان الإيمان قويا فلا أحد يقرب المعصية. ولذلك يبتلكم الله بشيء من الصيد المحرم عليكم بأن يجعله في متناول أيديكم.
حدث ذلك في الحديبية لقد كان الصيد يضع نفسه بين أيدي المؤمنين ولم يقربوه وكان هذا اختبارا. ونعلم أن الابتلاء غير مذموم في ذاته، إنما المذموم فيه الغاية منه ؛ لأن الابتلاء اختبار، وقد ينجح إنسان، وقد يفشل آخر. وكأن الحق قد ابتلى المؤمنين بأن جعل الصيد يتكاثر أمامهم حتى يقوي عود الإيمان في قلب المؤمن فلا يتهافت على المعصية وتتكون لديه المناعة وذلك. ليعلم الله من يخافه بالغيب وسبحانه وتعالى العلام بكل شيء قبل أن يحدث. لكن هناك فرق بين علم وعلم، إن علم الله أزلي لا يتخلف، لكن هذا العلم ليس حجة على الناس ؛ لأن الحجة على الناس هو ما يقع منهم فعلا، ولذلك كان الابتلاء.
وأسواق هذا المثل- ولله المثل الأعلى – إن الوالد قد ينظر إلى أحد أبنائه ويقول : إنه يلعب طول السنة ومن الأفضل ألا ندخله الامتحان ؛ لأنه سوف يرسب. ولا يدخل الابن الامتحان، ولكن الوقاحة تصل به إلى الحد الذي يقول فيه : لو كنت دخلت الامتحان لكنت من الناجحين. ولو كان والده أدخله الامتحان ورسب، لكان هذا الرسوب حجة عليه.
إذن فعلم الحق لا يلزم الحجة، إنما العلم الواقعي هو الذي يلزمنا بها.
وقد حدثت هذه الابتلاءات في النبوات كثيرا. ومثال ذلك ابتلاء الحق لليهود بتحريم الصيد يوم السبت، فكانت الحيتان تأتي في هذا اليوم مشرعة وكأنها تلح عليهم أن يصطادوها. وفي الأيام الأخرى لا تأتي الحيتان، فيحتالون لعصيان الأمر باختراع نوع من الشباك السلكية تدخل فيها الحيتان، وتظل الحية محبوسة فيها إلى يوم الأحد فيأخذونها. وتكون حيلتهم هي دليل الغباء منهم، لأن الصيد قد تم بالنية والعمل والاستعداد المسبق. وكان الابتلاء في الإسلام بشيء من الصيد. ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم .
وقد علمنا من قبل قوله الحق : تلك حدود الله فلا تعتدوها ( من الآية ٢٢٩ سورة البقرة ).
فإن كانت المسائل مأمورة فعلينا أن ننفذها. وإن كانت نواهي فيجب أن لا نقربها حتى لا نقع فيها فتكون حجة علينا ؛ لأن رسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول :( الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه )١.

١ رواه البخار ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير