مَجَازُهُ: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) لَتُبْعَثُنَّ. وَقِيلَ: جَوَابُهُ قَوْلُهُ: "مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ". وَقِيلَ: "قَدْ عَلِمْنَا (٢) " وَجَوَابَاتُ الْقَسَمِ سَبْعَةٌ: "إِنَّ" الشَّدِيدَةُ كَقَوْلِهِ: "وَالْفَجْرِ-إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ" (الْفَجْرِ-١٤)، وَ"مَا" النَّفْيِ كَقَوْلِهِ: "وَالضُّحَى -مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ" (الضُّحَى-١-٣)، وَ"اللَّامُ" الْمَفْتُوحَةُ كَقَوْلِهِ: "فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" (الْحِجْرِ-٩٢) وَ"إِنْ" الْخَفِيفَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ" (الشُّعَرَاءِ -٣٨) وَ"لَا" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ" (النَّحْلِ-٣٨)، وَ"قَدْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا -قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا" (الشَّمْسِ-١-٩).
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)
وَ"بَلْ" كَقَوْلِهِ: "وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ -بَلْ عَجِبُوا".
أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مُخَوِّفٌ، مِنْهُمْ يَعْرِفُونَ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ، فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ غَرِيبٌ.
أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا نُبْعَثُ، تَرَكَ ذِكْرَ الْبَعْثِ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، ذَلِكَ رَجْعٌ أَيْ رَدٌّ إِلَى الْحَيَاةِ بَعِيدٌ وَغَيْرُ كَائِنٍ، أَيْ: يَبْعُدُ أَنْ نُبْعَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أَيْ تَأْكُلُ مِنْ لُحُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَعِظَامِهِمْ لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ الْمَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنَا مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ وَمَنْ يَبْقَى، وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَمِنْ أَنْ يَدْرُسَ وَيَتَغَيَّرَ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَقِيلَ: حَفِيظٌ] (٣) أَيْ: حَافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ.
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بِالْقُرْآنِ، لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ مُخْتَلِطٍ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: مُلْتَبِسٌ. قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَنْ تَرَكَ الْحَقَّ مُرِجَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِ دِينُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا تَرَكَ قَوْمٌ الْحَقَّ إِلَّا مُرِجَ أَمْرُهُمْ. وَذَكَرَ الزَّجَّاجُ مَعْنَى اخْتِلَاطِ أَمْرِهِمْ، فَقَالَ: هُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَرَّةً شَاعِرٌ، وَمَرَّةً سَاحِرٌ، وَمَرَّةً مُعَلَّمٌ، وَيَقُولُونَ لِلْقُرْآنِ مَرَّةً سِحْرٌ، وَمَرَّةً
(٢) انظر: البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري: ٢ / ٣٨٤.
(٣) ما بين القوسين زيادة من "ب".
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر