سورة ق
هى مكية إلا آية ٣٨ فمدنية، وآيها خمس وأربعون، نزلت بعد المرسلات.
ومناسبتها لما قبلها- أنه أشار فى آخر السورة السابقة إلى أن إيمان أولئك الأعراب لم يكن إيمانا حقا، وذلك يقتضى إنكار النبوة وإنكار البعث، وافتتح هذه السورة بما يتعلق بذلك.
حدّث مسلم وغيره عن جابر بن سمرة أنه عليه الصلاة والسّلام كان يقرأ هذه السورة فى الركعة الأولى من صلاة الفجر.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبى واقد الليثي «أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ فى العيد بقاف واقتربت».
وأخرج أبو داود والبيهقي وابن ماجه عن أم هشام ابنة حارثة قالت «ما أخذت (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إلا من فى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ بها فى كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس».
وكل ذلك دليل على أنه كان يقرأ بها فى المجامع الكبيرة كالعيدين والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور والمعاد والحساب والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب.
[سورة ق (٥٠) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤)بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) صفحة رقم 150
تفسير المفردات
المجيد من المجد، وهو كما قال الراغب: السعة فى الكرم من قولهم: مجدت الإبل إذا وقعت فى مرعى كثير واسع، وصف به القرآن لكثرة ما تضمنه من المكارم الدنيوية والأخروية، رجع بعيد: أي بعث بعد الموت بعيد عن الأوهام، ما تنقص الأرض: أي ما تأكل من لحوم موتاهم وعظامهم، حفيظ: أي حافظ لتفاصيل الأشياء كلها، بالحق: أي بالنبوة الثابتة بالمعجزات، مريج: أي مضطرب من قولهم: مرج الخاتم فى إصبعه إذا قلق من الهزال.
الإيضاح
(ق) تقدم أن قلنا غير مرة إن الحروف المفردة. التي جاءت فى أوائل السور حروف لتنبيه السامع إلى ما يرد بعدها، وأكثر ما جاء ذلك إذا ورد بعدها وصف القرآن كما هنا.
(وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) أقسم الله سبحانه بكتابه الكثير الخير والبركة- إنك أيها الرسول جئتهم منذرا بالبعث، يدل على ذلك قوله تعالى «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ- إلى أن قال- لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ».
(بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) أي إنك جئتهم منذرا بالبعث، فلم يقبلوا ولم يكتفوا بالشك فى أمرك وردّ رسالتك، بل جزموا بنفيها، وجعلوها من عجائب الأمور التي تستحق الدهشة، وكثير التأمل والاعتبار.
ثم فسر تعجبهم وفصّل محل التعجب وهو إنذاره بالقرآن فقال:
(فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ) أي فقال المكذبون بالله ورسوله من قريش إذ جاءهم منذر منهم: هذا شىء عجيب، أي إن مجىء رجل منا برسالة من الله إلينا
أمر عجيب، هلا أنزل إلينا ملكا فيكون لنا نذيرا، كما حكى عنهم من قولهم:
«أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ» وقوله حكاية عنهم «قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا».
وبعد أن أظهروا التعجب من رسالته أظهروا استبعاد ما جاء به فقالوا:
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) أي أحين نموت ونصير ترابا نرجع كما يقول النذير؟ إن ذلك الرجوع بعد الموت لبعيد عن الأوهام، لا يصدّقه العقل وتحيله العادة.
ثم أشار إلى دليل جواز البعث وقدرته تعالى عليه فقال:
(قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) أي قد علمنا ما تأكل الأرض من لحوم موتاهم وعظامهم، ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان، وأين ذهبت، وإلى أين صارت؟ فلا يصعب علينا البعث ولا يستبعد.
ثم أكد علمه بجميع الأشياء فقال:
(وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ) أي وعندنا كتاب حافظ لتفاصيل الأشياء كلها، وهذا تمثيل لحال علمه تعالى للكائنات جميعا علما كاملا بعلم من عنده كتاب حفيظ يتلقى منه كل شىء، فيضبط ما يعلم أتم الضبط ويحصيه أكمل الإحصاء.
ثم حكى عنهم ما هو أفظع من تعجبهم وهو تكذيبهم بالنبوة الثابتة بالمعجزات من أول وهلة بلا تدبر ولا تفكر فقال:
(بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ) أي بل كذبوا، بالنبوة التي قامت الأدلة على صدقها وأيدتها المعجزات الباهرة، وهم إذا كذبوا بها فقد كذبوا بما أنبأ به الرسول من البعث وغيره، ولا شك أن هذا الإنكار أعظم جرما وأشد بلية من الإنكار بما جاء به الرسول، إذ به أنكروا الصلة الروحية بين الله ومن يصطفيه من خلقه من ذوى النفوس الصافية، وأرباب الأرواح العالية.
(فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) أي فهم فى قلق واضطراب، فتارة ينفون الرسالة عن البشر،
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي