فورب السماء والأرض إنه لحق وعلى هذا فالضمير والمنصوب لما وعلى الأول يحتمل له ولما ذكر سابقا من البعث والجزاء والرزق والوعد والوعيد مثل ما أنكم تنطقون قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي مثل بالرفع على أنه صفة لحق والباقون بالنصب على أنه حال من المستكن في الحق أو وصف لمصدر محذوف يعني أنه لحق حقا نطقكم وقيل إنه مبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو ما إن كانت بمعنى شيء وإن معنى جملتها إن كانت ما زائدة ومحله الرفع شبه الله سبحانه الرزق وغيره مما وعد وأخبر به ينطق الإنسان قال البغوي ما أنكم تنطقون فتقولون لا إلاه إلا الله يعني المراد بالنطق المنطوق والخطاب إن كان للمحسنين فمنطوقه غالبا لا إلاه إلا الله وإن كان الخطاب عاما فشبه تحقق ما أخبر عنه يتحقق نطق الآدمي كما يقال أنه لحق كما أنت هاهنا وأنه لحق كما أنت تتكلم والمعنى أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة، وقال بعض الحكماء يعني أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره، حكى في المدارك عن الأصمعي أنه قال أقبلت من جامع البصرة فطلع علي أعرابي فقال ممن الرجل قلت من بني أصمع قال من أين أقبلت قلت من موضع يتلى فيه كلام الله الرحمان قال أتل علي فتلوت والذاريات فلما بلغت قوله في السماء رزقكم قال حسبك فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر عمد إلى قوسه وسيفه فكسرهما وولى، فلما حججت مع أمر الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بصوت رفيق فالتفت فإذا أنا بالأعرابي فسلم علي واستقرأ السؤال فلما بلغت الآية صاح قال قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ثم قال وهل غير هذا فقرأت فورب السماء والأرض إنه لحق فصاح فقال سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجئوه إلى اليمين قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه يعني مقتضى البلاغة أن يؤكد الكلام على حسب إنكار المخاطب فالله سبحانه أورد الكلام بكمال المبالغة في التأكيد حيث أقسم عليه وأكد بكلمتان ولام التأكيد والإخبار بأنه حق والتشبيه بما هو أجلى البديهيات وليس هذه الإشارة إلى الناس كأنهم في غاية الإنكار في تقدير الرزق الموعود كاد حين في اكتساب ما التزم الله سبحانه على نفسه بقوله : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ١ غافلين عما كلفهم الله به وعلق به الثواب والعقاب الأبدي لا حول ولا قوة إلا بالله.
التفسير المظهري
المظهري