ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

ومجاهد: يريد المطر (١).
قوله تعالى: وَمَا تُوعَدُونَ قال عطاء: من الثواب والعقاب (٢). وقال الكلبي: من الخير والشر. وقال مجاهد: الجنة والنار (٣). وقال مقاتل، والربيع، وابن سيرين: وما توعدون من أمر الساعة (٤).
٢٣ - ثم أقسم الرب بنفسه فقال: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ قال الكلبي: يعني هذا الذي قصصت في الكتاب لكائن (٥).
قال أبو إسحاق: يعني أن الذي ذكر من أمر الرزق والآيات وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- حق (٦). وقال مقاتل: يعني أن أمر الساعة لكائن (٧) مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ قرئ مِثْلَ رفعًا ونصبًا (٨). فمن قرأ بالرفع جعله من صفه الحق. قاله الفراء، والزجاج (٩). قال أبو علي: وجاز أن يكون (مِّثْلَ) وإن كان

(١) انظر: "تفسير مقاتل" ١٢٦ ب، "جامع البيان" ٢٦/ ١٢٧، "الوسيط" ٤/ ١٧٦.
(٢) انظر: "الوسيط" ٤/ ١٧٦، "معالم التنزيل" ٤/ ٢٣١.
(٣) انظر: "الوسيط" ٤/ ١٧٦، "فتح القدير" ٥/ ٨٥، "الكشف والبيان" ١١/ ١٨٧ أونسبه للضحاك، وروي عن مجاهد قال: يعني الخير والشر، وعن الضحاك: الجنة والنار، والمعاني متقاربة، ولعل من قال: الخير والشر، أقرب إلى الصواب، حيث يشمل الدنيا والآخرة، وما فيمها من خير وشر. والله أعلم. انظر: "تفسير مجاهد" ٢/ ٦١٨، "جامع البيان" ٢٦/ ١٢٧، "معالم التنزيل" ٤/ ٢٣١.
(٤) انظر: "فتح القدير" ٥/ ٨٥.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٨٤، "الوسيط" ٤/ ١٧٦، "فتح القدير" ٥/ ٨٥.
(٦) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ٥٤.
(٧) انظر: "تفسر مقاتل" ١٢٦ ب، "الوسيط" ٤/ ١٧٦.
(٨) قرأ حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر، مِثْلَ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: "حجة القراءات" ص ٦٧٩، "النشر" ٢/ ٣٧٧ "الإتحاف" ص ٣٩٩.
(٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٨٥، "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٥٤.

صفحة رقم 443

مضافًا إلى صفة للنكرة، لأن مثلاً لا تختص بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع التماثل بها، فلما لم تخصه الإضافة ولم يزُل عنه الإيهام والشياع الذي كان فيه قبل الإضافة بقي على تنكيره فقالوا: مررت برجل مثلك، فكذلك في الآية لم يتعرف بالإضافة إلى أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ وإن كان قوله: أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ بمنزلة نطقكم (١). وأمَّا في قوله: مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ فقال الفراء: العرب تجمعُ بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف لفظهما كقول الشاعر:
ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ به (٢)
فجمع بين ما وإن وهما (٣) جحدان، أحدهما يجزي عن الآخر (٤)، فعلى هذا القول (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وكذلك أَن فكأنه قيل: مثل نطقكم. وقال المبرد: مَا زائدة. وبه قال أبو علي -وأبى أن تكون التي بمنزلة أن مع الفعل فتكون مصدرًا- وقال: لأنه لا فعل معها، والتي تكون مع الفعل بمنزلة اسم المصدر تكون مقرونة مع الفعل كقوله: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [الأعراف: ٥١] (٥) والمعنى: فاليوم ننساهم نسيانًا كنسيان يومهم هذا، ولكونهم

(١) انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٦/ ٢١٦.
(٢) البيت لدريد بن الصمة يصف الخنساء، وقد رآها تهنأ بعيرًا أجرب وتمام البيت:
كاليوم طالي أيْنقُ جُرْب
انظر: "ديوان دريد بن الصمة" ص ٣٤، "شرح شواهد المغني" ٢/ ٩٥٥، "شرح المفصل" ٥/ ٨٢، "مغني اللبيب" ص ٦٧٩.
(٣) (ك): (وإنهما).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٨٥.
(٥) انظر: "المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات" ص ٣٣٤.

صفحة رقم 444

جاحدين بآياتنا. قال: ومثل زيادة (ما) هنا زيادتها في قوله: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ [نوح: ٢٥] وقوله: فَبِمَا رَحْمَةٍ [آل عمران: ١٥٩] و قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ [المؤمنون: ٤٠]. وأما منتصب مِثْلَ فقال أبو إسحاق: هو في موضع رفع إلا أنه لما أضيفت إلى أَن فتح (١).
وشرحه أبو علي فقال: من نصب (مثل) فإنه لما أضاف مثل إلى مبنيٍّ وهو قوله: أَنَّكُمْ بناه كما بُنَى (يومئذ) في قوله: مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ [المعارج: ١١] و وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ [هود: ٦٦] و:
عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا (٢)
وقوله:
لم يَمْنَعِ الشُّرْبَ منها غيرُ أن نَطَقَتْ (٣)
فغير في موضع رفع بأنه فاعل، (يمنع) وإنما بنيت هذه الأسماء المبهمة نحو مثل، ويوم، وحين، وغير، إذا أضيفت إلى المبنيِّ لأنها تكتسي منه البناء، لأن المضاف يكتسي من المضاف إليه ما فيه من التعريف

(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٥٤.
(٢) البيت للنابغة الذبياني، وتمامه:
وقلت ألمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وازع
انظر: "ديوانه" ص ١٦٣، "الكتاب" لسيبويه ٢/ ٣٣٢، "الكامل" ١/ ١٥٨، "الخزانة" ٢/ ٤٥٦، "المصنف" ١/ ٥٨، "ارتشاف الضرب" ٢/ ٥٢٠.
(٣) صدر بيت لأبي قيس بن الأسلت، وتمامه:
حمامة في غصون ذات أوقال
انظر: "الكتاب" ١/ ٣٦٩، "أمالي" بن الشجري ١/ ٦٩، "الإنصاف" ص ٢٨٧، "الخزانة" ٣/ ٤٠٦، والأوقال: هي الثمار، مفردها وَقْل. "اللسان" ٣/ ٩٧١ (وقيل).

صفحة رقم 445

والتنكير والجزاء والاستفهام. تقول: هذا غلام زيد، وصاحب القاضي. فيتعرف الاسم بالإضافة إلى المعرفة، وتقول: غلام (١) مَنْ تضرب؟ فيكون استفهامًا كما تقول: صاحب مَنْ تضرب؟ فيكون جزاءً، فمن بني هذه المبهمة إذا أضافها إلى مبني جعل البناء أحد ما تكتسبه من المضاف إليه، ولا يجوز على هذا: جاءني صاحب خمسة عشر، ولا غلام هذا؛ لأن هذين من الأسماء غير المبهمة، والمبهمة في إبهامها (٢) وبعدها من الاختصاص (٣) كالحروف التي تدل على أمور مبهمة، فلما أضيفت إلى المبنية جاز ذلك فيها. ثم ذكر قولين آخرين في نصب مِثْلِ مَا: أحدهما: أن تجعل (ما) مع مثل بمنزلة شيء واحد بنيته على الفتح، وإن كانت ما زائدة، وهذا قول أبي عثمان وأنشد في ذلك:

وَتَدَاعَى مَنْخِرَاهُ بِدَمٍ مِثْلَ ما أثْمَرَ حُمَّاضُ الجَبَلْ (٤)
فذهب إلى أن (مثل ما) بمنزلة شيء واحد، ويدل على جواز بناء مثل مع (ما) وكونه معه بمنزله شيء واحد قول حميد بن ثور:
ووَيَحْا لِمنْ لم يَدْرِ ما هُنَّ وْيحَمَا (٥)
(١) (ك): (علا).
(٢) (ك): (أيامها).
(٣) (ك): (الاختصان).
(٤) البيت للنابغة الجعدي، والحمَّاض بقلة برية تنبت أيام الربيع في مسايل الماء ولها ثمرة حمراء. انظر: "ديوانه" ص ٨٧، "أمالي" ابن الشجري ٢/ ٦٠٤، "شرح المفصل" لابن يعيش ٨/ ١٣٥، "اللسان" ١/ ٧١٩ (حمض)، "رصف المباني" ٣٧٩.
(٥) صدر البيت:
ألاَ هَيَّمًا مِمَّا لَقِيْتُ وَهَيَّمَا
وانظر: "ديوانه" ص ٦، "اللسان" ٣/ ٩٩٦، (ويح) "الخصائص" ٢/ ١٨١، ونسبه لحميد بن الأرقط "ديوان ابن الأرقط" ص ٧: "الحجة" ٦/ ٢١٩.

صفحة رقم 446

فبنى ويحًا مع (ما) ولم يلحقه التنوين.
ومثله ما أنشده أحمد بن يحيى:
أثَوْرَ ما أصِيدُكُمْ أمْ ثَوْرَيْنْ (١)
أراد أثوراً أصيدكم؟ فبني الثور على الفتح وجعله مع (ما) شيئًا واحداً.
القول الثاني: أن ينتصب على الحال من النكرة الذي هو (حق) في قوله: إِنَّهُ لَحَقٌّ والعامل في الحال هو الحق؛ لأنه مصدر. وإلى هذا ذهب أبو عمر الجرمي. وقد حمل أبو الحسن (٢) قوله: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا [الدخان: ٤ - ٥] على الحال، وذو الحال قوله: أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا وهو نكرة (٣). وذكر المبرد أيضًا هذا الوجه فقال: يجوز أن يجعل حالاً للنكرة كقوله: هذا رجل قائمًا (٤) وذكر الفراء والزجاج وجهًا آخر. في انتصاب (مثل ما).
قال الفراء: من نصب (مثل ما) جعله في مذهب مصدر كقولك: إنه لَحَقُّ حقًا (٥).
وقال الزجاج: يجوز أن يكون منصوبًا على التوكيد على معنى: إنه

(١) من الرجز، والآخر:
أمْ تِيكُم الجَمَّاءَ ذَات القَرْنَيْنْ
وهو للنضر بن سلمة، كما في "الخصائص" ٢/ ١٨، "اللسان" ١/ ٣٨٦ (ثور)، "التصريح بمضمون التوضيح" ١/ ٢٤، "الحجة" ٦/ ٢٢٠.
(٢) هو الأخفش، وتقدمت ترجمته.
(٣) انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٤/ ٣٤٨، ٣٥١، ٦/ ٢٢٢ - ٢١٧.
(٤) انظر: "البحر المحيط" ٨/ ١٣٧.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٨٥.

صفحة رقم 447

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية